‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدولة الأيوبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدولة الأيوبية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ٣ يناير ٢٠١٣

زوال الدولة الأيوبية و قيام دولة المماليك


عز الدين أيبك يتولي حكم مصر
 كان الملك الصالح نجم الدين أيوب، قد استكثر من شراء المماليك، و جعل منهم امراء دولته، و بطانته. و شيد لهم قلعة في جزيرة الروضة سنة 638 هج/ 1240 م ليسكنوا فيها. لذلك سموا بالمماليك البحرية نسبة إلي سكنهم في الجزيرة علي البحر ( النيل).
 و عندما توفي الملك الصالح ، جاء ابنه تورانشاه من الشام و معه قواده الذين ميزهم علي القواد المماليك الذين كانوا من خاصة الملك الصالح. فغضب المماليك لذلك، و اتفقوا علي التخلص من تورانشاه، فقتلوه و ولوا عز الدين أيبك الذي كان قائد العسكر في مصر و أقواهم نفوذاُ و قوة.
 ظل المماليك البحرية يحكمون مصر لمدة 130 عاماً ( 1250 – 1381م )، و كانت هذه الفترة تعد العصر الذهبي للماليك في مصر.  
 جاءت الدولة المملوكية لستعيد فتوة و قوة الخلافة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العباسية المتعفنة أمام ضربات المغول. و لولا هذه التغيرات التي كانت تجدد دماء الحكام لما استطاعت الخلافة الإسلامية أن تتوسع علي حساب الفرس و الروم و تصد أعدائها من الصليبيين و التتار علي مر 900 عام.
 أصبح عز الدين أيبك الذي كان قائداً للعسكر في عهد شجر الدر سلطاناً علي مصر بعد زواجه منها سنة 1250 م و به بدأت دولة المماليك في مصر و لقب بلقب “الملك المعز الجاشنكير التركماني الصالحي”.
 و لقد واجه عز الدين أيبك خطر الأيوبيين الذين كانوا يسيطرون علي الشام و ينقمون علي الدولة المملوكية الناشئة. و دارت الحرب بين الأيوبيين و المماليك ، و انتصر المماليك عند العباسة في فبراير 1251م.
 و لكن الخليفة العباسي تدخل ليصلح بينهما و يوحدهما ضد المغول الذين كانوا علي أعتاب مقر الخلافة الإسلامية في بغداد. و بمقتضي الصلح صار للمماليك حكم مصر و فلسطين و صار للأيوبيين بقية الشام.
 تمرد عز الدين أيبك علي سطوة شجر الدر، و أراد أن يتزوج من ابنة حاكم الموصل ، مما دعاها إلي تدبير مؤامرة لقتله فانقض عليه خمسة من عبيدها و قتلوه في الحمام عام 1257 م.
 و لكن شجر الدر لاقت المصير نفسه عندما تولي ابنه نور الدين علي السلطنة فقبض عليها و عهد بها إلي نساء بيته فانهلن عليها بالقباقيب حتي لفظت أنفاسها و ألقي بجثتها في خندق بالقلعة ثم دفنت بعد ذلك في مقابر  بجوار السيدة نفيسة.
و يقال أن شجر الدر هي أول من أرسل المحمل من مصر لمكة.

نجم الدين أيوب و شجر الدر و الحملة الصليبية السابعة علي مصر


تولي الصالح نجم الدين الأيوبي حكم مصر
تولي العادل الثاني سيف الدين أبو بكر حكم مصر بعد وفاة ابيه السلطان الكامل سنة 1239 م / 635 هج  مما أدي إلي أن يسعي أخوه الأكبر سناً الصالح نجم الدين أيوب لاستعادة حقه في تولي السلطنة، وواتته الفرصة نتيجة سياسة أخيه التي أثارت مشاعر الأمراء عليه فقبضوا عليه و استدعوا الصالح نجم الدين أيوب الذي اصبح سلطاناً علي مصر عام 637 هج / 1240 م. 
واجه السلطان الصالح ثورات بعض طوائف الجند فبدأ في تكوين جيش جديد يخلص له و يطيعه فاشتري آلاف المماليك و الأتراك الذين هجروا أوطانهم في آسيا الصغري بسبب غارات المغول و اتخذ الصالح أيوب منهم جيشاً منظماً. و يتضح من هذا أن السلطان الصالح لم يتعلم من العباسيين الذي فعلوا نفس الشئ و اخذوا من العبيد جيوشاً و قواداً، و انتهي الأمر بهم أن أصبح الخلفاء العباسيين تحت رحمة هؤلاء القواد و أصبحوا مجرد واجهة للخلافة دون سلطة حقيقية.
 من أبرز آثار الملك الصالح في مصر قلعة الروضة التي أقام فيها مع مماليكه و تزوج من جارية أرمنية هي شجر الدر كان الخليفة العباسي قد أهداها له و أنجبت له ابنه الخليل.

 استعادة القدس للمرة الثانية من الصليبيين 
وجد السلطان الصالح أيوب نفسه مهدداً بحلف صليبي مع أمراء دمشق ، الصالح اسماعيل، و الكرك الناصر داود، و حمص المنصور ابراهيم. فقرر تحطيم هذا الحلف قبل أن يهاجمه فسار بجيشه و استولي علي دمشق ثم سار إلي القدس و استعادها من الصليبيين  سنة 1244 م / 640 هج.  
  
هزيمة الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع
قامت حملة صليبية جديدة تستهدف مصر ، و كانت أشرس و أعنف من الحملة الأولي علي دمياط ، و كان علي رأسها ملك فرنسا لويس التاسع الذي كان معروفاً بتدينه و تعصبه. و لقد نذر لويس نفسه للموت في سبيل دينه .
و علم السلطان الصالح أيوب بأن الصليبيين يحتشدون في قبرص، و قدر أنهم سينزلون دمياط كما فعل اسلافهم ، فحشد جيشه تجاه المدينة و قرر أن يحارب حرباً لاهوادة فيها.
كان الصالح أيوب نقيض أبيه الملك الكامل ، كان شجاعاً جريئاً ، و كان حازماً إلي درجة القسوة.
 دخل الصلبييون مدينة دمياط في 6 يونيو 1249 دون قتال و حولوا المسجد إلي كنيسة و أقاموا بطريركاً فرنسياً للمدينة.
و كان شهر يونيو هو شهر فيضان النيل فآثر الملك لويس أن ينتظر حتي ينتهي الفيضان حتي لا يقع فيما وقعت فيه الحملة الخامسة.
 عندما انتهي موسم الفيضان بدأ لويس زحفه إلي القاهرة ، و في تلك الأثناء مات السلطان الصالح ، فاخفت زوجته شجر الدر نبأ وفاته حتي لا يضعف الجنود المحاربين، و بعثت في استدعاء ابن زوجها توران شاه من حصن كيفا (بالشام) و في تلك الأثناء تولي بيبرس قيادة الجيش.
دخل الصليبيون بسفنهم في النيل و تصدت لها سفن المصريين و خسر الصليبيون 80 سفينة. و تلاحم الجيشان و بلغ القتال ذروته عند فارسكور حيث حلت هزيمة ساحقة بالصليبيين و أُسر ملكهم لويس التاسع سنة 648 هج/ 1250 م، و اقتادوه إلي دار الشيخ فخر الدين بن لقمان في المنصورة.
 و تفاوض المنتصر و المنهزم، و فرض المسلمون شروطهم و هي جلاء الصليبيين عن دمياط و خروجهم من مصر و دفع دية باهظة من الذهب مقابل اطلاق سراح لويس و من معه من الأسري.
وافق لويس التاسع علي شروط التسليم و خرج الصليبيون أولاً من دمياط ، و بعد ذلك أطلق الظاهر بيبرس سراح الملك الأسير ، فاستقل سفينة اتجهت به إلي عكا التي كانت مع الصليبيين.
   
توران شاه و شجر الدر و نهاية الدولة الأيوبية
تولي توران شاه السلطة في نهاية 1250 م خلفاً لابيه بمساعدة زوج ابيه شجر الدر ، و لكن حكمه لم يدم أكثر من شهرين لاضطهاده لأمراء المماليك و شجر الدر فتآمروا جميعاً ضده و قتلوه.
 نادي كبار رجال الدولة بشجر الدر سلطانة علي مصر عام 1250 م علي أن يكون المملوك عز الدين أيبك مقدماً للعسكر و بهاء الدين وزيراً لها. وكانت هذه المرة الأولي التي تتولي فيها أمرأة حكم مصر منذ أيام الفراعنة.
بلغت مدة حكمها 80 يوماً أظهرت فيها جدارة و كفاءة و حسن تدبير. إلا أن الخليفة العباسي لم يقبل أن تتولي حكم مصر امرأة و خاصةً أنها كانت جارية لدي الخليفة العباسي نفسه ، فارسل إلي زعماء المماليك يقول لهم : “إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فاعلمونا نسير لكم رجلاً “. فأضطرت شجر الدر إلي التنازل عن الحكم لعز الدين أيبك المملوكي و تزوجته.
 و هكذا اسدل الستار علي الدولة الأيوبية في مصر التي دامت حوالي سبعين عاماً من 1171 حتي 1250 م
 و من أعظم إنجازات هذه الدولة أنها ردت حملات الصليبيين علي المشرق و كسرت شوكتهم و أجلتهم عن كثير من الأقاليم المسلمة.
يقول المؤرخ البريطاني المعاصر سير ستيفن رونيسمان عن الحملات الصليبية التي شنتها أوروبا علي المشرق الإسلامي ” كانت الحملات الصليبية حلقة مأسوية هدامة (في سلسلة تفاعل العلاقة بين الشرق و الغرب)، فقد كان فيها كثير من الشجاعة و قليل من الشرف، كثير من التقوي و قليل من الفهم، فلطخت المثل العليا القسوة و الجشع، و التفاني و الجلد لوثهما الإحساس الذاتي الأعمي، و اختلط فيها السمو الأخلاقي بضيق الأفق”
 جاءت الدولة الأيوبية لتنفض عن مصر ترهل و استرخاء الخلافة الفاطمية التي ما كانت لتستطيع أن تصد الحملات الصليبية. و لقد أخرجت هذه الدولة قائداً فذاً هو صلاح الدين الأيوبي الذي ظل مضرب الأمثال لكل الأجيال اللاحقة للقائد المسلم الشجاع في حلم و الجرئ في حكمة و الذي قاتل طوال حياته ليحرر الأرض المسلمة و الفرد المسلم من طغيان الاحتلال.
جاء صلاح الدين ثورة علي عصره الذي امتلأ بحكام و خلفاء يبيعون كل شئ من أجل أن يحتفظوا بسلطانهم و يتحالفون مع أعداء الأمة الإسلامية ضد بعضهم البعض .
 و من أبرز معالم هذه الدولة أن مركز الخلافة الإسلامية انتقل إلي القاهرة و أصبحت مصر الولاية الحاكمة لباقي ولايات الخلافة العباسية في الشام و العراق و الحجاز و اليمن

السلطان الكامل و الحملة الصليبية الخامسة علي مصر 1218م


هزيمة الحملة الصليبية الخامسة
تولي الكامل بعد ابيه العادل سنة 615 هج/ 1218م في ظروف حرجة حيث استولي الصليبيون علي دمياط ، فراح يستجد بالمسلمين من حوله ، و لكن حكام المسلمين كانوا في هول من هجمات المغول التي  بدأت تدق أبواب بغداد بعد أن اكتسحت جحافلهم بخاري و سمرقند و بالكاه و حولتها إلي خرائب ، و سوت القصور و المكتبات و المدارس و المساجد بالأرض و استعملتها اصطبلات للخيل.
لذلك عمد السلطان الكامل إلي أن يتصل بالصليبيين ليفاوضهم و عرض عليهم أن يتنازل عن بيت المقدس مقابل أن يخرج الصليبيون من دمياط. و لم يتردد إمبراطور فريدريك في أن يقبل
رسم تخيلي لاستيلاء الصليبيين علي دمياط في الحملة الصليبية الخامسة
هذا العرض السخي. و لكن البابا في روما رفض العرض و وبخ الإمبراطور فريدريك علي قبوله العرض. فعرض السلطان الكامل عرض أسخي و هي أن يتنازل عن نابلس و صيدا و عسقلان و طبرية و اللاذيقية و سائر ما فتحه السلطان صلاح الدين من بلاد الساحل. و لكن البابا رفض هذا كله و هدد فريدريك أن ينزع منه مملكته في أوروبا إذا عقد صلحاً مع المسلمين. فلم يبق للسلطان الكامل إلا ان يقاتل ليحرر دمياط من الصليبيين.
كان الموقف ينبئ بانتصار الصليبيين فهم أكثر سلاحا وعدة ،و لكنهم لم يكونوا يعرفون طبيعة الأرض المصرية و ما تمتلئ به من قنوات الماء. فلما تقدم الصليبيون قليلاً قام المصريون بفتح سدود المياه من كل جانب فتدفقت المياه و أغرقت القوات الصليبية في بحر من الوحل و لم يستطيعوا التقدم خطوة واحدة ،فشقوا طريقهم وسط الوحلة مرتدين إلي الشاطئ و استقلوا سفنهم عائدين إلي بلادهم سنة 1221، و بذلك فشلت الحملة الصليبية الخامسة.
تنازل السلطان الكامل عن القدس للصليبيين
ظل السلطان الكامل علي خوفه من الصليبيين الذين بدأوا يستهدفون مصر في حملاتهم، و ظل يلوح لهم برغبته في الصلح و السلام و ظل يلح عليهم أن يأخذوا القدس مقابل أن يتركوه آمناً مطمئناً ، و في النهاية قبل فريدريك الثاني قائد الحملة الصليبية السادسة علي مصرعرض السلطان الكامل و تسلم منه القدس مقابل عدم شن هجمات صليبية جديدة علي مصر.
يروي المقريزي فيقول : إن الملك الكامل أرسل رجاله فنودي بالقدس بخروج المسلمين منها لتسليمه إلي الفرنج ….فاستعظم المسلمون ذلك ، و أكبروه ، ووجدوا من الوهن و التألم مالا يمكن وصفه. …فاشتد البكاء و عظم الصراخ و العويل ، و حضر الأئمة و المؤذنون من القدس إلي مخيم الكامل ، و أذنوا علي بابه في غير وقت الآذان .
السلطان الكامل يعقد صلحاً مع الإمبراطور فريدريك الثاني
و دخل فريدريك القدس و استلمها من القاضي شمس الدين يوم الأحد 18 مارس 1229 م 626 هج، و دخل كنيسة القيامة و توج نفسه ملكاً علي القدس. و بذلك عادت القدس للصليبيين مؤقتاً حتي جاء نجم الدين أيوب و استردها مرة أخري كما سنري
أكمل السلطان الكامل بناء قلعة الجبل ، كما أنشأ مدينة جديدة هي مدينة المنصورة في الموقع الذي انتصر فيه  علي الحملة الصليبية الخامسة.

السلطان العادل يخلف أخيه صلاح الدين


تقسيم الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين
تعرضت الدولة الأيوبية التي كانت تضم الشام و فلسطين و مصر إلي التقسيم بعد وفاة صلاح الدين نتيجة التنافس بين أفراد أسرته الذين وزعوا أقاليم الدولة بينهم ، فكانت مصر من نصيب ابن صلاح الدين عماد الدين أبي الفتح عثمان الذي لقب بالعزيز ، و دمشق من نصيب ابنه الثاني الأفضل نور الدين علي ، و حلب من نصيب ابنه الظاهر غازي غياث الدين ، و الكرك و الشوبك من نصيب العادل أخو صلاح الدين.
 كما استقل أولاد عم صلاح الدين ببعض مدن الشام و اليمن ، و تنافس كل من العزيز و الأفضل ابني صلاح الدين علي السيطرة علي بيت المقدس و تدخل عمهما العادل ليصلح بينهما لأنه كان يدرك خطورة الشقاق في هذا البقعة و الصليبيين علي مقربة منهم علي السواحل.
 ولي العزيز الوزارة في مصر لعمه العادل الذي بدأ يثبت أقدامه في الحكم حتي أصبح صاحب السلطة الحقيقية حتي توفي العزيز عام1198 م / 595 هج في حادث صيد بعد ست سنوات من ولايته.  

السلطان العادل أخو صلاح الدين يتولي حكم مصر
بعد وفاة العزيز تولي ابنه ناصر الدين محمد  حكم مصر، و لقب بالملك المنصور و كان في التاسعة من عمره، و كان الأفضل وصياً علي ابن أخيه المنصور و نازعه في الأمر عمه العادل ، و اتفقا علي أن يحكم العادل مصر و يحكم الأفضل ديار بكر.
و بمجرد حصول العادل علي الوصاية علي المنصور عقد مجلساً من الفقهاء و قرر خلع السلطان الصغير و تولي حكم مصر منفرداً سنة 596 هج 1200 م ، ثم قام ببسط نفوذه علي الشام لأنه كان أقوي من كل أفراد أسرة صلاح الدين، و بذلك عادت دولة صلاح الدين تحت حكم سلطان واحد.
 في تلك الفترة لم تنقطع إغارات الصليبيين علي مدن التي تحت سيطرة المسلمين و كثرت المناوشات بين الصليبيين و المسلمين،  و كان العادل هو صمام الأمان للمسلمين من غارات الصليبيين في الشام فكان يرسل بالمدد لأمراء المدن الإسلامية في الشام ليصدوا هجمات الصليبيين، و كان كثيراً ما يخرج بنفسه ليؤدب الصليبيين و يكسر شوكتهم و يردهم إلي المهادنة.
 كان العادل علي جانب كبير من الخبرة و التجربة نتيجة مشاركته لأخيه صلاح الدين في حروبه و حكم مصر ، إلا أن الموقف العدائي لأبناء صلاح الدين و ثورات الإسماعيلية و انخفاض النيل و ما تبعه من مجاعات عظيمة أكلت الأخضر و اليابس في مصر كان لها أثرها في ضعف مركزه و عدم نجاحه في الوقوف ضد الحملات الصليبية التي بدأت في استهداف مصر و أشهرها حملة جان دي جرين التي حاصرت دمياط و استولت علي برج السلسلة في 4 ربيع الأول سنة 615 هج/ أول يونيو 1218 م. فحزن العادل و مات كمداً سنة 615 هج / 1218 م أثناء وجوده في الشام و دفن في أحد المساجد بدمشق ، و ترك أبناءه الثلاثة يحكمون الدولة الأيوبية في مصر و الشام ؛ الكامل في مصر و المعظم عيسي في دمشق و الأشرف موسي في حلب.  

وفاة صلاح الدين الأيوبي 1193م


بعد خمسة شهور من اتفاقية صلاح الدين مع ريتشارد وعودته إلي دمشق وقع صلاح الدين مريضاً بالحمي الصفراء، و لمدة 12 يوماً حاول أطباؤه أن ينقذوه دون جدوي و في 27 صفر سنة 589 هج 4 مارس 1193 م مات صلاح الدين و هو في
السابعة و الخمسين من عمره و دفن في دمشق في القلعة بجوار المسجد الأموي في دمشق، و بكت عليه كل دمشق و كل المسلمين.
و لقد استحق صلاح الدين بحماسه في جهاد الصليبيين تلقيب الخليفة له بمحيي دولة أمير المؤمنين، أما هو فقد نقش علي العملة عبارة : الملك الناصر صلاح الدنيا و الدين.
لقد كان تحول صلاح الدين إلي السياسة و خطواته في حربه علي الصليبيين مليئة بالمواقف القدرية التي تشير جلياً إلي أن الله قد أعده ليتم علي يديه هذا العمل العظيم و الفتح الكبير للمسلمين المتمثل في استعادة القدرس و انجاز خطوات كبيرة في طرد الصليبيين من بلاد المسلمين.
يقول عنه انتوني نتنج ” كان صلاح الدين فارساً من أعظم الفرسان و بطلاً مغواراً “
و يقول عنه المؤرخ الإنجليزي رونيسمانRunicman ” لم يكن (صلاح الدين) مثل ملوك الصليبيين. لم يتراجع عن كلمته مطلقاً مع أي شخص بغض النظر عن ديانته … و كان دائماً مجاملاً كريماً رحيماً عندما يكون منتصراً و كان قاضياً عادلاً متساهلاً”.

الحملة الصليبية الثالثة و الصلح مع ربتشارد قلب الأسد 1192م


الحملة الصليبية الثالثة  و معاهدة الصلح مع ريتشارد قلب الاسد 1192م
 كان لسقوط القدس في يد المسلمين رد فعل جنوني في أوروبا ، فقد قام بطريرك القدس الذي تركه صلاح الدين يرحل بالطواف في بلاد أوربا ( الفرنجة) و معه صورة رجل عربي يضرب المسيح ليحثهم علي الأخذ بالثأر لبيت المقدس، و قام البابا كليمنت الثالث بالتبشير بحرب صليبية و هي ما عرفت بالحرب الصليبية الثالثة.
 فقام فريدريك بارباروسا في ألمانيا و ريتشارد قلب الأسد في انجلترا و فيليب في فرنسا بإعداد الحملة الصليبية الثالثة، و سارت الجيوش الثلاثة كل في طريق منفصل.
انحرف ريتشارد ليستولي علي قبرص ، أما فريدريك بارباروسا فسار من طريق بلاد البلقان و لكنه غرق عندما كان يعبر نهراً في صقلية.
 فضل صلاح الدين الدخول في مفاوضات مع الحملة قبل اللجوء إلي الحرب ، و لإثبات حسن النية أفرج عن الأسري الصليبيين و منهم الملك جي بعد أن أقسموا ألا يقاتلوا المسلمين مرة أخري. و لكن رد الصليبيين جاء بأن يسلم صلاح الدين القدس إلي الصليبيين و يسحب جيشه إلي مصر.
 فشلت المفاوضات و بادر الصليبيون بالهجوم علي عكا و حصارها. و تدفقت امدادات الصليبيين من ميناء صور (تيري) الميناء الوحيد الذي لم يستولي عليه المسلمون. صمدت الحامية المدافعة عن عكا أمام الحصار، و استطاعت سفينة امداد من مصر أن تفلت من الحصار و تصل إلي أهالي المدينة الذين انتشرت فيهم المجاعة. استمر الحصار اثنين و عشرين شهراً حتي استسلمت عكا في يوليو  1191م.
 و بتأمين عكا و صور تدفقت الجيوش الصليبية علي طول السواحل، و احتل ريتشارد حيفا و عسقلان و لكنه لم بتسرع في الاتجاه إلي القدس، و فضل أن يكسب بالفاوضات ما يمكن الا يكسبه بالحرب. و لكن صلاح الدين كان يراهن علي أن ريتشارد لن يستطيع أن  يبقي طويلاً و يترك انجلترا و ما فيها من مؤامرات علي عرشه.
في مايو 1192 م عادت الحرب و تقدم ريتشارد نحو القدس علي أمل الحصول عليها و لكنه رأي كيف أن المسلمين مصممين علي الدفاع عنها، فانسحب خائفاً من أن يفقد ماء وجهه.
 و تجددت المفاوضات و في يونيو 1192 م لم يستطع ريتشارد أن يؤجل عودته إلي انجلترا أكثر من ذلك، فقد كانت إنجلترا تموج بالفتن و محاولات أخوه جون الاستيلاء علي العرش. فتمت اتفاقية بين صلاح الدين و ريتشارد قلب الأسد تسمي صلح الرملة بموجبه يتنازل صلاح الدين عن بعض المدن علي الساحل للصليبيين بين صور و يافا بما فيها عكا و حيفا و قيسارية علي أن يحتفظ صلاح الدين بكل ما تبقي من فلسطين بما فيها القدس و عسقلان ، كما نص الصلح علي السماح للصليبيين بالحج لبيت المقدس.
 و انتقل العرش الصليبي من بيت المقدس إلي إمارة طرابلس التي زادت قوتها بانتقال ملوك بيت المقدس إليها و الذين سيقيمون فيما بعد إمارة جديدة هي إمارة بيروت بين البترون و صيدا، و التي ظلت مصدر تهديد للمسلمين حتي استعادها السلطان بيبرس في العصر المملوكي.
 بعد عقد صلح الرملة اعتبر فيليب اغسطس أن مهمته قد انتهت،  و أنه أبر بقسمه ” أن يفتح الطريق إلي بيت المقدس”،  و اقلع إلي بلاده من ميناء عكا في 8 يونيو 1192 م.
 أما ريتشارد قلب الأسد فقد حج إلي بيت المقدس،  ثم اتجه إلي قبرص ووضع يده عليها و أقطعها للفارس جي دي لوزنيان، ثم عاد إلي بلاده في أكتوبر 1192 م.


حطين المعركة الفاصلة 1187م

موقعة حطين و طرد الصليبيين من القدس1187م
كان صلاح الدين في حالة هدنة مع الصليبيين حتي يفرغ من حل مشاكله مع الزنكيين حتي استطاع أن يبسط نفوذه علي الشام .
ولكنه بعد ذلك عاد إلي الإغارة علي الصليبيين علي الساحل في فلسطين سنة 1177 م، فلما وصل إلي عسقلان علي البحر و جد معظم فرنجة مملكة بيت المقدس في انتظاره و هزموه هزيمة شديدة و استشهد كثير من المسلمين و نجا هو بأعجوبة إذ كادوا يأخذونه اسيراً . و لقد كتب صلاح الدين إلي أخيه يحكي له عن هذه الفترة قائلاً :” لقد أشرفنا علي الهلاك غير مرة، و ما نجانا إلا الله سبحانه منه لأمر يريده سبحانه” .
أراد الصليبيون أن يستفيدوا من نصرهم، فهاجموا دمشق سنة 1178 م، و لكن صلاح الدين ردهم مهزومين و هاجم حصونهم و استولي علي بعضها سنة 1179 م، مما جعل ملك بيت المقدس بلدوين Baudouin IV الذي تولي بعد أموري يسعي إلي عقد هدنة مع صلاح الدين.
كان بلدوين مريضا بالجذام الذي شوه وجهه و أصابه بالعمي، ثم مالبث أن أودي بحياته عام 1185 م، و لكن وريثه الوحيد أبن أخيه كان لا يزال طفلاً، و سرعاً ما توفي هو الآخر عام 1186م. و بذلك أصبحت أخته سيبلا Sybella   هي وريثة العرش، و التي قامت بتتويج زوجها جي دي لويزينيان ملكاً علي بيت المقدس في سبتمبر من عام 1186م .
و لكن رينالد دي شاتيليون عاد و كسر الهدنة مرة أخري و هاجم قافلة مسلمة عام 1187 م. ورفض الافراج عن السجناء و إعادة ممتلكاتهم ، و وصل صلاح الدين إلي  نهاية طريق التسوية.
و في مارس 1187 م دعي صلاح الدين المسلمين في كل بقاع البلاد الإسلامية  إلي الجهاد ضد الصليبيين و قاد أكبر جيش من المسلمين،  فعبر نهر الأردن في مايو 1187م، و احتل طبرية و قطع طريق الامدادات إلي القدس من انطاكية و طرابلس.
و في يوليو من نفس العام، خرج الملك جي دي لويزينيان لملاقاة صلاح الدين عند قرية بالقرب من طبرية تسمي حطين. و بينما كان المسلمون مرابطين بالقرب من موارد الماء، اضطر الجيش الصليبي أن يسير مسافة طويلة في حر يوليو. و بعد مسيرة طويلة وصل الجيش الصليبي إلي حطين و هو يكاد يمون عطشاً.

خريطة موقعة حطين
وكان الصليبيين في غاية البؤس، و قضوا الليل يستمعون إلي العرب في خيامهم الموجودة أسفل التلال يغنون و يرددون المآثر العسكرية لأجدادهم. و مما زاد الأمور سوءً أن أشعل المسلمون النار في الحشائش الجافة التي تحيط بالموقع، و انصب الدخان في خيام الصليبيين تخنقهم و تعميهم، و حاصرت جيوش السلطان معسكر الأعداء تماماً.
و بظهور ضوء النهار بدأ الهجوم الإسلامي و كان العطش قد سلب عقول الصليبيين و خارت قواهم بسرعة و استطاع المسلمون أن يردوهم إلي قرون حطين. و عندما انكسر آخر هجوم يائس لهم ضد حائط المسلمين الذي لايمكن تخطيه من رماة السهام و حاملي السيوف ، أعلن الأمير الفاضل ابن صلاح الدين أن العدو قد هزم تماماً، و لكن صلاح الدين يعلم تماماً أن ذلك يعني انصراف الجنود إلي جمع الغنائم قبل أن يتأكد النصر، و لذلك أسكت الفاضل قائلاً ” لن أعلن النصر قبل أن اتأكد من قلب آخر خيمة من خيام الفرنك “. وأمر قواته بالاستمرار في تدمير الصليبيين،  و كلما تقدم المسلمون يفر الفرنك أمامهم  حتي قلبت خيمة الملك جي، و عندئذ هتف صلاح الدين بالنصر.
و عندما انتهي هذا اليوم الدموي لم يبق إلا عدد قليل من الصليبيين عل قيد الحياة، و امتلأت ساحة المعركة بأكوام لعشرات الألوف من الموتي ، و يقول ابن الأثير أن هذه الساحة ظلت مرتعاً للطيور الجارحة لمدة سنة…. فكان من يري القتلي لا يظن أنهم أسروا أحداً ، و من يري الأسري لا يظن أنهم قتلوا أحداً”.
و استسلم الملك جي دي لويزنيان و رينالد دي شاتيلون، و قادهما المسلمون لخيمة السلطان صلاح الدين، الذي قدم للملك جي كأساً من الماء، و مرر الملك الكأس لرينالد. و عند ذلك أمر صلاح الدين الترجمان أن يخبر الملك جي أنه لم يأمر بالكأس لأمير شاتيليون و ليس من حق رينالد أن يطلب حصانة الضيف فهو خائن و لص.
أخذ صلاح الدين خنجره المعقوف و ضرب ذراع رينالد ففصله عن كتفه، و سارعت حاشية صلاح الدين بقطع رأس رينالد دي شاتيون.
هدأ صلاح الدين من روع الملك جي المرتعش و أخبره أنه من عادة الملوك ألا يقتلوا الملوك، و لكنه سيقتل مائتين من فرسان الهيكل و الاسبتارية الذين ساعدوا رينالد في حملاته علي قوافل المسلمين، أما الباقون فسيعودون إلي ديارهم.
بعد تحطيم جيش الصليبيين في حطين، استسلمت عكا دون قتال و قاومت نابلس بضعة أيام قبل أن تستسلم و سقطت حيفا و السويداء و بيروت و جباليه و طرابلس و عسقلان و بيت لحم و غزة.
و أصبح صلاح الدين يتحكم في كل الساحل الصليبي من سوريا إلي مصر، و أصبحت القدس معزولة عن أي إمدادات خارجية و تحرك صلاح الدين نحو القدس.
وصل صلاح الدين بجيشه إلي أبواب القدس في 20 سبتمبر 1187 م ، و فوجئ المسلمون باستحكامات حصينة علي أسوار القدس.
حاصر صلاح الدين أسوار القدس لمدة خمسة أيام ، ثم بدأ بالهجوم من ناحية الشمال و استخدم المنجانيق في ضرب أسوار المدينة و استمر في الحصار و الضرب لتخفيض خسائر الهجوم الشامل.
و أنهار أحد جوانب السور الذي يحيط بالمدينة من فعل ضربات المسلمين، و اندفع المسلمون داخل المدينة.
قدم الفرنك طلباً للصلح بشروط،  فرفضه صلاح الدين في البداية لأنه أقسم أن يسترد القدس بالسيف و ذكٌر الفرنك بما ارتكبوه من فظائع عندما استولوا علي المدينة عام 1099م. و لكن باليان حاكم القدس الصليبي هدد بحرق المدينة بمن فيها من مسلمين و مسيحيين إذا لم يوافق صلاح الدين علي طلب استسلام الفرنك بشروط.
وافق صلاح الدين علي شروط الصليبيين لتسليم المدينة و هي أن يدفع الصليبيون في خلال اربعين يوماً فدية قدرها عشر قطع ذهبية عن كل رجل و خمس قطع عن كل امرأة و قطعتين عن كل طفل.  و لكن الكنيسة لم تدفع الفدية المتفق عليها فأمر صلاح الدين باطلاق سراح كل المسنين و المتزوجين و الأرامل و اليتامي بدون فدية.
و في يوم الجمعة 27 رجب 583 هج/ 2 ديسمبر 1187 تسلم المسلمون القدس من الصليبيين بعد 91 سنة من الاحتلال الصليبي لها.
عادت القدس إلي الأمة الإسلامية بعد تسعين سنة من الاحتلال الصليبي. و قام المسلمون بنزع الصليب الذهبي الذي وضعه الصليبيون فوق قبة مسجد الصخرة الذي بناه عبد الملك بن مروان والذي حوله الصليبيون إلي كنيسة. و جدد المسلمون آثارهم التي دنسها الصليبيون.
و لقد أشار البعض علي صلاح الدين أن يهدم كنيسة القيامة انتقاماً من الفرنجة، و لكنه رفض، لأن الخليفة عمر بن الخطاب أبقاها عندما تسلم القدس و منع المسلمين من تحويلها إلي مسجد. و لكن صلاح الدين حول كنيسة أخري إلي مدرسة و كنيسة إلي رباط للصوفية.
لم يبق خارج سيطرة المسلمين إلا أمارة انطاكية و طرابلس و صور (تيري) التي كان يحكمها القائد الصليبي  القوي كونراد دي موننفرات Conrad de Montferrat