‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدولة الفاطمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الدولة الفاطمية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ٣ يناير ٢٠١٣

سقوط الخلافة الفاطمية وصلاح الدين يحكم مصر 1169م


بداية النهاية للخلافة الفاطمية في مصر
كانت هذه الفترة من أسوأ الفترات السياسية في تاريخ مصر الإسلامي، فقد أصبح الخليفة الفاطمي يشارك في مؤامرات و دسائس ضد وزرائه للتخلص منهم و ذلك لضعفه و عدم قدرته علي عزلهم بنفسه، فنجد أن كل الأطراف كانت تتآمر ضد كل الأطراف و لا يخجل أي طرف من أن يتقوي بالصليبيين ضد منافسه ، مما أدي إلي تحريك أطماع الصليبيين في الإستيلاء علي مصر . ولكن لحسن القدر تحركت أيضاً رغبات نور الدين محمود في ضم مصر إلي الشام في جبهة واحدة ضد الصليبيين و كان نور الدين قد نجح في توحيد معظم مدن و إمارات الشام تحت إمرته و أصبح يوجه للصليبيين ضربات موجعة.
ظهر ضرغام أبو الأشبال، أمير فرقة من الجند المغاربة تخدم في مصر ، كمنافس لشاور علي كرسي الوزارة زمن الخليفة العاضد .
و استطاع ضرغام خلع شاور من وزارة مصر بمساعدة الخليفة الفاطمي. فما كان من شاور إلا أن هرب إلي الشام و استنجد بنور الدين محمود زنكي  ليعيد إليه الوزارة، و وعده بثلث خراج ( إيراد ) مصر، و أن يمنح جنده إقطاعات يقيمون فيها في مصر.
بعد فترة من التردد وافق نور الدين محمود زنكي علي مساعدة شاور لاستعادة الوزارة في مصر شريطة أن يعترف شاور بسيادة نور الدين علي مصر. و كان نور الدين يرغب في تحويل مصر إلي المذهب السني و توحيد مصر و الشام ضد الصليبيين.
أرسل نور الدين محمود قائده أسد الدين شيركوه علي رأس جيش إلي مصر. و أصطحب أسد الدين  معه ابن اخيه صلاح الدين الأيوبي الذي كان في الخامسة و العشرين من عمره آنذاك .
تقابل جيش شيركوه و جيش ضرغام عند القاهرة، و استطاع شيركوه أن يهزم قوات ضرغام و يقتله، و يعيد شاور إلي الوزارة ، و لكن شاور نكث بعهده و رفض الاعتراف بولائه لنور الدين محمود، و طلب من شيركوه أن يعود إلي الشام. و لكن شيركوه توجه بجيشه إلي مدينة بلبيس في دلتا مصر و تحصن بها ضد شاور.
فأرسل شاور هذه المرة إلي اموريِAmalricus)) ملك بيت المقدس الصليبي ليساعده في التخلص من أسد الدين شيركوه. و كان سقوط عسقلان في غزة، بوابة مصر الشرقية ، في يد الصليبيين قد أغري أموري ملك بيت المقدس بالاستيلاء علي مصر لتصبح أحد الممالك الصليبية، إلي جانب أنه أراد أن يمنع نور الدين من أن يوحد الشام و مصر ضد الصليبيين. و مما يؤكد ذلك قول المؤرخ الصليبي وليم الصوري ” لن تنعم القدس بالأمان إلا إذا استمر العداء بين القاهرة و دمشق”. فوافق  أموري و سار بجيش إلي مصر و حاصر شيركوه في بلبيس ثلاثة أشهر. و في النهاية قبل شيركوه الخروج كمن مصر مقابل خروج الصليبيين أيضاً.
و الحقيقة أن ما دفع الصليبيين إلي الموافقة علي الخروج من مصر هو أن نور الدين محمود في الشام عمد إلي الإغارة علي قلاع و مدن مملكة بيت المقدس، و سقط العديد منها في قبضته، ثم أرسل أعلام هذه المدن والقلاع التي غنمها لتنشر علي أسوار بلبيس. فلما رأي أموري ذلك انزعج بشدة ، فوافق علي الخروج من مصر ليسرع بالعودة إلي مملكته.
و لكن شيركوه الذي رأي ضعف مصر و هوان الخلافة الفاطمية، عاد يلح علي نور الدين ليرسل حملة أخري إلي مصر. فوافق نور الدين، و بعد سنتين أي عام  1167 م / 562 هج، أرسل جيشا ً آخر إلي مصر بقيادة شيركوه و معه صلاح الدين مرة أخري.
و مرة أخري استنجد شاور باموري ملك بيت المقدس الصليبي، و لكن شيركوه كان الأسرع هذه المرة و وصل إلي القاهرة قبل أن يعترضه جيش أموري. و تقابل عند النيل جيش شيركوه علي ضفة  و جيش أموري و شاور علي الضفة الأخري و صد شيركوه محاولتهم عبور النيل ، و تظاهر بالانسحاب جنوباً فتبعه أموري فاطبق عليه جيش شيركوه و نجا أموري بحياته بأعجوبة في مكان اسمه البابين جنوب المنيا الحالية. و فرت جيوش شاور و أموري إلي القاهرة.
و بعد هزيمة اموري و شاور لم يتجه شيركوه لدخول القاهرة،  و لكنه بدلاً من ذلك اتجه إلي الاسكندرية ليفتحها،  و كان أهل الاسكندرية يكرهون شاور لتحالفه مع الصليبيين. و لكن شيركوه وقع في فخ نصبه له أموري الذي حاصره في الاسكندرية بمساعدة أسطول الصليبيين.
استطاع شيركوه أن ينسل بجيشه خارج الأسكندرية و ترك حامية مكونة من ألف رجل يقودها صلاح الدين الأيوبي لتواجه حصار جيش أموري و شاور. حاول شاور أن يفاوض أهل الاسكندرية ليسلموا له صلاح الدين مقابل فك الحصار و لكنهم رفضوا أن يسلموا صلاح الدين للخائن شاور لأن معه الصليبيين.
دام حصار الاسكندرية و الحامية أربعة أشهر و اضطر شيركوه أن يدخل في مفاوضات مع اموري لفك الحصار.
و تم الاتفاق علي أن ينسحب  أسد الدين شيركوه بجيشه من مصر و أن تدفع الضرائب من مصر لأموري ملك بيت المقدس في مقابل جلاء القوات الصليبية عن مصر.
و كانت هذه المفاوضات هي أول اتصال مباشر بين صلاح الدين و الصليبيين . و يحسب لصلاح الدين أنه أدار المفاوضات بمهارة و حصل علي جلاء الصليبيين عن مصر.
و يقول صلاح الدين عن فترة حصاره في الاسكندرية ” و الله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالاسكندرية من المشاق ما لا انساه أبداً. “  كان في ذلك الوقت لا يدري أن ملك مصر سيصير إلي بعد سنتين بلا عناء.

أسد الدين شركوه يتولي وزارة مصر و بداية الحكم الأيوبي
لم يتخل أموري ملك بيت المقدس عن حلمه بالاستيلاء علي مصر ، و لكنه أدرك أنه لن يتمكن من مواجهة جيوش نور الدين محمود وحده . لذلك سعي إلي عقد صفقة مع الامبراطور البيزنطي ليتقاسما مصر بينهما علي أن يمده الامبراطور البيزنطي بجيش يسانده.
سار أموري بجيشه إلي مصر عام  1168 م بدعوي أن شاور لم يدفع له الضرائب المتفق عليها ، و هزم الجيش الفاطمي بقيادة شاور في بلبيس و سار إلي القاهرة.
استنجد شاور بنور الدين محمود لينقذه من الصليبيين هذه المرة . قدر نور الدين خطورة سقوط مصر في يد الصليبيين. فقرر إرسال حملة ثالثة بقيادة شيركوه و صلاح الدين هذه المرة ليتخلص نهائياً من شاور و الحكم الفاطمي و التهديد الصليبي و يضم مصر إلي الشام تحت امرته.
أصبح شاور يائساً من مواجهة الهزيمة علي يد الصليبيين و جيش شيركوه ، فعمد إلي اللعب علي الطرفين حيث قام بدفع ثلث ريع ( أجمالي الناتج المحلي) مصر إلي نور الدين محمود ليحميه من الصليبيين ، و في نفس الوقت قام بتحذير أموري من قدوم جيش نور الدين ليكسبه في صفه.
ثم قرر شاور  حرق مصر ( الفسطاط) لعرقلة دخول الصليبيين القاهرة ، و أمر أهل الفسطاط بترك بيوتهم و محالهم و الانتقال إلي القاهرة التي بناها المعز،  و قام بإحراق الفسطاط عن آخرها، و ظلت النار مشتعلة فيها 54 يوماً، و كان الدخان يري علي مسيرة 3 ايام ، و بذلك ضاع كل أثر للفسطاط التي بناها عمرو بن العاص و لم يبق منها إلا جامع عمرو بن العاص.
عندما سار جيش الصليبيين بقيادة أموري لاعتراض جيش شيركوه ، استطاع شيركوه الماكر بقواته السريعة أن يفلت منهم و أن يدخل القاهرة في 6 من ديسمبر 1168 م بدون أدني مقاومة. و كانت هذه المفاجأة كافية لأموري الذي وجد نفسه أمام جيوش مصر الفاطمية و جنود نور الدين من الشام و قد اتحدت ضده،  فقام بسحب جيشه من مصر و عاد إلي بيت المقدس و قد ضاع حلمه بالاستيلاء علي مصر.
أصبح شيركوه الحاكم الحقيقي لمصر و لكنه لم يعزل الخليفة الفاطمي ، فقد كان الخليفة الفاطمي مريضاً مرضاً لا يرجي شفاؤه ، فآثر شيركوه أن يتركه يموت في سلام.
انحني شاور أمام شيركوه ليسترضيه و كان يأتيه بالهدايا كل يوم ، و لكن صلاح الدين أصر علي قطع رأس شاور الخائن المستبد ، و قام بالقبض عليه و قتله بعد موافقة الخليفة العاضد، و فرح المصريون فرحاً عظيما بمقتل شاور الخائن.
صلاح الدين الأيوبي يتولي حكم مصر
بعد تعيينه بشهرين وزيراً علي مصر توفي أسد الدين شيركوه، و خلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي علي وزارة مصر في 26 مارس عام 1169م / 25 جمادي الآخر 564 هج، وكان عمر صلاح الدين وقتها لا يزيد عن اثنين و ثلاثين عاماً.
من الآن فصاعداً انتقل مركز القوي للعالم الاسلامي إلي مصر و استمر فيها إلي أن هزم العثمانيون الأتراك سلاطين المماليك و نقلوا هذا المركز إلي اسطنبول بعد 350 سنة.
أرسل نور الدين محمود إلي صلاح الدين يأمره أن يقوم بتحويل البلاد إلي المذهب السني و الدعاء للخليفة العباسي في خطبة الجمعة بدلاً من الخليفة الفاطمي، و لكن صلاح الدين استمهله حتي يتوفي الخليفة العاضد المشرف علي الموت.
و لكن نور الدين رفض التأجيل و خشي أن يكون صلاح الدين يماطل فهدده أنه سوف يسير إليه بحملة ، و أرسل إماماً سنياً من الموصل إلي مصر في 10 سبتمبر 1171 م ، فاعتلي المنبر في مسجد القاهرة و دعي إلي الخليفة العباسي بدلاً من الخليفة الفاطمي.
بعد ذلك أمر صلاح الدين بالدعاء للخليفة العباسي في خطبة الجمعة ، و لكنه أخفي ذلك عن الخليفة الفاطمي العاضد  و قال ” دعوه يموت في سلام “
توفي الخليفة العاضد في 10 محرم عام 567 هج. / 1171 م  وهو الخليفة الفاطمي الرابع عشر و آخر الخلفاء الفاطميين و انتهت بموته الخلافة الفاطمية في مصر و التي استمرت حوالي 200 عام .
تولي صلاح الدين حكم مصر منفرداً بعد وفاة الخليفة العاضد و لقب بالسلطان الناصر صلاح الدين و حكم مصر 22 عاماً تقربياً.
بعد تولي صلاح الدين حكم مصر منفردا،ً طلب منه نور الدين محمود أن ينضم إليه في هجومه الكبير علي  الكرك ، و لكن صلاح الدين لم يكن في عجلة من أمره و أراد أن يرتب أموره الداخلية أولاً،  فاعتذر عن المشاركة في الهجوم و تعلل بمرض والده.
كان علي صلاح الدين أن يتصدي أولاً للفتن الداخلية التي كانت تحاك ضد دولته الوليدة ، و منها محاولة بعض الشيعة العلويين إعادة الخلافة الفاطمية الشيعية و منهم عمارة اليمني شاعر الفاطميين ، فتآمروا ضد صلاح الدين و اتصلوا بملك صقلية النورماندي و دفعوا إليه بالأموال  ليهاجم الشواطئ المصرية بسفنه ، حتي إذا خرج صلاح الدين من القاهرة ليتصدي لهجومه يقوم المتآمرون بالوثوب علي بقية جنده في القاهرة و يعيدوا الخلافة الفاطمية. و لكن صلاح الدين علم بمؤامرتهم فبعث بمدد للحامية العسكرية في الاسكندية ليصد الهجوم الصليبي، و قبض علي مدبرى الإنقلاب و أعدمهم و منهم عمارة اليمني.

عصر الوزراء العظام الفاطمي


الخليفة المستعلي الفاطمي  و بداية العصر الفاطمي الثاني
يتميز العصر الفاطمي الثاني بضعف الخلفاء الفاطميين و وقوعهم تحت سلطة وزرائهم ، كما شهد هذا العصر بدء الحملات الصليبية علي المشرق الإسلامي التي لم يستطع المسلمون صدها نظراً لما آلت إليه الخلافة العباسية من ضعف، و كذلك الخلافة الفاطمية التي كانت تشهد نزاعات مؤسفة بين الخلفاء الفاطميين و ووزرائهم و كذلك بين الوزراء و حكام الأقاليم حتي أنهم استعانوا بالصليبيين ضد بعضهم البعض كما سنري في عهد الخليفة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين.
بعد وفاة الخليفة المستنصر، آخر الخلفاء الفاطميين الأقوياء ، قام الوزير الأفضل بن بدر الجمالي بإقصاء أكبر أبناء الخليفة المستنصر نزار من الولاية، و قام بتعيين ابن الخليفة الثاني أحمد المستعلي سنة 1095 م / 487 هج. و دارت نزاعات مريرة بين الأخوين قتل فيها نزار و تمكن المستعلي من السيطرة علي الحكم. و ينسب إلي نزار، أكبر أبناء الخليفة المستنصر بالله، مذهب الشيعة النزارية.
كان من سوء حظ الخليفة المستعلي أنه وقع عليه عبء التصدي للحملة الصليبية الأولي التي استولت علي القدس سنة 1099 م .
جهز الوزير الأفضل بن بدر الجمالي جيشاً لاستعادة القدس و ألتقي بالصليبيين بقيادة جودفري عند عسقلان و لكن الفاطميون هُزموا هزيمة نكراء و قتل من المسلمين 10 آلاف،  و فر الوزير الأفضل غرباً حتي عاد إلي القاهرة. و بذلك  تقلصت أملاك الخلافة الفاطمية لتشمل مصر و الجزيرة و اليمن فقط.
لم يدم حكم المستعلي لمصر لأكثر من ست سنوات فقد توفي سنة 1101 م / 495 هج، و خلفه ابنه الآمر بأحكام الله في الحكم.
الخليفة الآمر بأحكام الله الفاطمي
تولي الآمر بأحكام الله حكم الفاطميين سنة 1101 م بعد وفاة أبيه المستعلي. ووقع الخليفة تحت نفوذ الوزير الأفضل بن بدر الجمالي الذي سبق و أن سيطر علي الخليفة المستعلي.
و لكن الصراع بينهما وصل لذروته عندما تنازل الوزير عن إيمانه بالمذهب الشيعي و تحديه بالتالي لشرعية الخليفة. فما كان من الخليفة إلا أن تآمر مع فرقة الحشاشين لقتله، فقتلوه سنة 1121 م / 515 هج .و عين الخليفة الوزير مأمون البطائحي مكانه.
و لكن مالبث أن ذاق المأمون من نفس الكأس و أُغتيل سنة 1125 م / 519 هج. و لا يعرف علي وجه اليقين من قتله، هل هو الخليفة الآمر بأحكام الله بسبب إسرافه في جمع المال،  أم ابن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي انتقاماً من مشاركة المأمون في قتل ابيه.
و استكمالاً لسلسلة المؤامرات و الإغتيالات التي سادت في ذلك العصر،  انتهي الأمر بالخليفة الآمر بأحكام الله أن أغتيل علي يد أعدائه بينما كان عائداً يوماً من جزيرة الروضة إلي قصره سنة 1130 م / 524 هج، و خلفه ابن عمه الخليفة الحافظ لأن الخليفة الآمر لم يكن له ولد.
و من أهم أعمال الخليفة الآمر بأحكام الله إنشائه الجامع الأقمر سنة 519 هج / 1125 م في شارع المعز الذي تعد واجهته البديعة من أجمل الواجهات في العمارة الإسلامية، و لا يضارعها واجهة أخري في جوامع القاهرة الحالية.
الخليفة الحافظ لدين الله الفاطمي
تولي الخليفة الحافظ لدين الله الحكم بعد اغتيال ابن عمه الخليفة الآمر بأحكام الله سنة 1130 م . و لكن الوزير أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي سيطر علي مقاليد الأمور و حد من سلطات الخليفة حتي أنه اعتقله و سجنه سنة 1130 م ، كما اضطهد أبو علي بن الأفضل الشيعة في مصر حتي قتله المتمردون الشيعة و أطلقوا سراح الخليفة.
لما قتل أيو علي بن الأفضل ولي الخليفة بهرام الأرمني وزيراً علي مصر سنة 1136 م / 531 هج ، و كان بهرام مسيحياً كاثوليكياً، و لكنه اضطهد المصريين و كثرت مظالمه، و عاونه علي ذلك ثلاثون ألفاً من الأرمن الذين أخذوا في نهب الأموال و الاعتداء علي الممتلكات و الأعراض حتي ثار الناس. فأمر الخليفة جيشه بمحاصرة القاهرة و طرد بهرام و الأرمن خارجها.
توفي الخليفة الحافظ لدين الله سنة 1150 م / 544 هج و تولي ابنه الظافر حكم مصر.
الخليفة الظافر الفاطمي
أصبحت الخلافة الفاطمية علي شفا الهاوية، فالوزراء يسيطرون علي الخلفاء، و الخلفاء يدبرون المكائد للوزراء. و ماحدث في عهدي الخليفة الظافر و الفائز هو مثال صارخ و مفجع لسقوط دولة ظلت تحكم حوالي نصف العالم الإسلامي لمدة قرنين من الزمان.
تولي الخليفة الظافر سنة 1150 م / 544 هج . و بدأ عهده بالمكائد فقد أوعز إلي صديق له يدعي نصر بن عباس أن يقتل الوزير ابن السلار لأنه سني مخالف لمذهب الفاطميين الشيعي. فقام نصر باغتيال ابن السلار، و بالتالي أصبح أبوه العباس ( أبو نصر ) وزيراً فاطمياً. و لكن الخليفة عاد و حرض نصر علي قتل ابيه العباس. و لكن العباس أكتشف المؤامرة و اقنع ابنه بقتل الخليفة الظافر فقتله سنة 1154 م / 549 هج.
خلف الظافر ابنه الفائز، و استطاع القبض علي نصر و ابيه العباس بعد هروبهما إلي الشام، و قام بصلبهما.
وفي عهد الخليفة الظافر فقد الفاطميين آخر معاقلهم في فلسطين و هي عسقلان عندما سارع بلدوين الثالث ملك إمارة بيت المقدس الصليبي بالزحف علي عسقلان و محاصرتها و اقتحامها سنة 1153 م / 548 هج.
و لقد قامت الحامية الفاطمية بعسقلان بنقل رأس الإمام الحسين رضي الله عنه إلي القاهرة عندما علمت بقرب اقتحام الصليبيين للمدينة سنة 1153 م . و لقد أمر الخليفة الفائز بحفظ رأس الإمام الحسين في علبة في أحد سراديب قصر الزمرد إلي أن تم بناء مشهد لها بالقرب من الجامع الأزهر الشريف.
الخليفة الفائز بنصر الله الفاطمي
جاء الخليفة الفائز إلي الحكم و عمره ستة أعوام بعد اغتيال ابيه الظافر، و لكن نساء القصر سارعن بطلب حضور الأمير طلائع بن رزيك ، أحد أمراء الدلتا، ليتولي الوزارة.
ظل الفائز يحكم مصر لمدة ستة أعوام عن طريق أوصياء العرش، ثم مرض و مات سنة 1160 م / 555 هج،  و خلفه ابن عمه العاضد آخر الخلفاء الفاطميين.
الخليفة العاضد بالله الفاطمي و نهاية الخلافة الفاطمية
انتقلت الخلافة الفاطمية في مصر إلي  الخليفة العاضد سنة 1160 بعد وفاة الخليفة الفائز.و كان وزيره في تلك الفترة طلائع بن رزيك الذي نجح في اخماد الفتن و انهاء حالة الفوضي التي عاشت فيها البلاد في عهدي الخليفة الظافر و الفائز.
إلا أن المؤامرات مالبثت أن حيكت ضد طلائع بن رزيك و شارك فيها الخليفة الفاطمي نفسه، و انتهت بقتل طلائع و تولي الوزارة أبو شجاع ( العادل) بن طلائع ، إلا انه لم يمكث أكثر من سنتين و خلعه شاور الذي كان حاكماً علي الصعيد و تولي الوزارة مكانه.
ثم صار الأمر إلي صراع مرير بين شاور و ضرغام، أمير فرقة جند مغاربة، علي كرسي الوزارة. حتي أنهم استعانوا بالصليبيين في بيت المقدس و نور الدين زنكي في الشام ضد بعضهم البعض ليستولوا علي وزارة مصر. فما كان من نور الدين محمود زنكي إلا أن انتهز هذه الفرصة و أرسل إلي مصر جيوش متتالية بقيادة أسد الدين شيركوه و ابن أجيه صلاح الدين الأيوبي ليسقط الخلافة الفاطمية المترنحة و يضم مصر إلي الشام تحت إمرته لقتال الصليبيين.
تمكن أسد الدين شيركوه من صد الصليبيين الطامعين في مصر و خلع شاور من وزارة مصر و تولي الوزارة بنفسه بمباركة الخليفة الفاطمي العاضد بالله الذي كان مريضاً و مشرفاً علي الموت، ثم  ما لبث أن مات في 1171 م / المحرم 567 هج.
و بذلك انتهت الخلافة الفاطمية التي استمرت ما يقرب من 200 عام. و إجمالاً يعد الحكم الفاطمي حكماً قوياً حتي وفاة الخليفة المستنصر بالله ، خامس الخلافاء الفاطميين، سنة1094  م. و بعد ذلك اضطرب الحكم اضطراباً شديداً، و انتقلت السلطة الحقيقة إلي الوزراء فأصبحوا المسيطرين الحقييين علي الدولة.
و شهدت الخلافة الفاطمية أسوأ عهودها في الصراعات التي بين الوزراء و الخلفاء، و بين بعضهم البعض حتي أنهم لم يتصدوا للصليبيين ( الحملة الصليبية الثانية )، و فقدوا كل أملاكهم في الشام و فلسطين للصليبيين.
و لم يكتفوا بذلك، بل بدأوا في الاستعانة بالصليبيين ضد بعضهم البعض. و لكن القدر أراد لمصر أن تصير إلي صلاح الدين الأيوبي بعد سقوط الخلافة الفاطمية، ليتخذ منها قاعدة لبناء سلطنة مصر و الشام التي ستدق المسمار الأكبر في نعش الوجود الصليبي في المشرق الإسلامي

الخليفة المستنصر يحكم مصر ستين عاماً 1035-1094م


المستنصر يحكم لمدة ستين عاماً
تولي الخليفة المستنصر حكم مصر سنة 1035 م / 427 هج  بعد وفاة ابيه الظاهر ، و كان يبلغ من العمر سبعة اعوام و استمر في حكم مصر حتي 1094 م ، أي ظل يحكم مصر حوالي 60 عاماً.
كانت الفترة الأولي من حكم المستنصر و التي استمرت حوالي 20 عاماً فترة من الرخاء و الازدهار و الاستقرار، و كانت القاهرة فيها من أهم مراكز القوة في العالم الإسلامي. و امتد سلطان الفاطميين علي بلاد الشام و فلسطين و الحجاز و اليمن و شمال افريقية بجانب مصر.
انكماش سلطان الفاطميين و الشدة المستنصرية
في الفترة الثانية لحكم المستنصر لم يستطع أن يحتفظ بحدود دولته مترامية الأطراف فخسر بلاد المغرب الأقصي سنة 443 هج لدولة المرابطين الفتية، و المغرب الأوسط سنة 475 هج لدولة المعز بن باديس.
و أخيراً خسر الفاطميون سلطانهم في فلسطين و الشام لصالح دولة السلاجقة الذين استولوا من الفاطميين علي القدس سنة 1072 م / 464 هج  و علي دمشق و حلب و شرق فلسطين سنة 1075 م / 468 هج.
و لكن في عام 1089 م / 481 هج انتهز الفاطميون فرصة انشغال السلاجقة بالحملات الصليبية القادمة من آسيا الصغري و استعادوا القدس مرة أخري.
و يرجع الضعف الذي دب في الخلافة الفاطمية في مصر إلي سببين : أولهما استخدام الخليفة المستنصر للعناصر المغاربية و التركية كجند له، فاستأثروا بشئون الحكم دونه، و كثرت بينهم الصراعات التي دفع الناس ثمناً باهظاً لها. كما استعانت أم الخليفة المستنصر التي كانت جارية حبشية، بعناصر من الجند السود من جنسها لتواجه بهم استفحال سطوة الجنود المغاربة و الأتراك. فكثرت الصراعات بين المغاربة و الأتراك و السود،  و سادت حالة من الفوضي و الفساد باتت تنذر بسقوط مبكر للخلافة الفاطمية.
السبب الثاني لضعف الخلافة الفاطمية هو انخفاض منسوب مياه النيل، فعمت المجاعة في أرجاء مصر بصورة لم يسبق لها مثيل و ذلك في عام 446 هج،  و استمرت سبع سنوات اتت فيها علي الأخضر و اليابس، و انتشرت الجثث في كل مكان و ظهر وباء الطاعون الذي قضي علي ثلث سكان مصر و استمر حتي سنة 1064 م / 454 هج.
الوزير بدر الجمالي
الوزير بدر الجمالي هو من أشهر وزراء مصر في التاريخ الإسلامي ، تولي شؤون البلاد في فترة عصيبة سنة 1075 م /  465 هج بعد أن هلك الناس و الزرع في سنوات الجفاف و المجاعة التي سميت بالشدة المستنصرية و التي استمرت سبع سنوات، أكلت الأخضر و اليابس حتي أكل الناس الدواب و الجيف.
كان بدر الجمالي والياً علي عكا، فاستنجد به الخليفة المسنتصر ليقضي علي العناصر التركية و الحبشية المتمردة،  التي عاثت في الأرض فساداً ، و زادت من بؤس الناس الذين عانوا من الأمرين، مر الجوع و المرض بسبب المجاعة، و مر الظلم و القتل علي يد أمراء الجند المرتزقة.
فجاء بدر إلي مصر و معه  جند الأرمن،  و نجح في وضع حداً للفوضي و الجرائم و الفتن، فتخلص من كل رؤوس الفساد و الفتن في مذبحة الجمالية،  و أعاد السيطرة علي الحكومة و أعاد سلطة القانون للبلاد، و صار لقبه أمير الجيوش بدر الجمالي، و إليه ينسب حي الجمالية بالقاهرة.
بعد أن أصبح للوزرير بدر الجمالي اليد الطولي في حكم مصر، عمل علي أن يرث ابنه الوزارة من بعده، فأخذ عهداً من الخليفة المستنصر علي تولية ابنه الأفضل وزارة مصر من بعده. و يعتبر عهد بدر الجمالي هو بداية عهد سطوع نجم الوزراء و استأثارهم بالحكم و توريث الوزارة في نفس العائلة.
و لم يكتف بدر الجمالي بالسيطرة علي كرسي الوزارة، و إنما سعي إلي السيطرة علي بيت الخليفة أيضاً ، فبدأ في نسج خيوطه حول الخليفة المستنصر، و استخدم في ذلك ابنته ست الملك التي كانت رائعة الجمال، فلم يكد الخليفة المستنصر يراها حتي عزم علي الزواج منها. و بالفعل تزوج الخليفة المستنصر من ست الملك، ابنة وزيره بدر الجمالي، و و لدت له ابنه أحمد، الذي لقب بالمستعلي بعد ذلك.
توفي بدر الجمالي في جمادي الأول سنة 487 هج، و خلفه في الوزارة ابنه الأفضل.
كما توفي الخليفة المستنصر سنة 1094 م / 487 هج بعد أن حكم مصر قرابة الستين عاماً، فقام صراع بين ابن ست الملك أحمد و الابن الأكبر للخليفة المستنصر نزار لتولي الخلافة. و وقف الأفضل بن بدر الجمالي إلي جانب ابن اخته أحمد ضد نزار. و انتهي الصراع بهزيمة نزار و قتله و تولي أحمد الخلافة و لقب بالخليفة المستعلي. و ينسب إلي نزار طائفة الشيعة النزارية.
أعمال بدر الجمالي في مصر
بقي لبدر الجمالي آثار كثيرة بناها في قاهرة المعز، أهمها الجامع المعروف باسم جامع الجيوشي الذي شيده سنة 1085 م / 478 هج علي جبل المقطم، و هو أول بناء اشتمل علي جامع و مقبرة في نفس الوقت و هو أول جامع في القاهرة بني من حجر.
كما قام بتجديد سور القاهرة لتأمينها سنة 1087 م / 480 هج، و هو ما يعرف بسور بدر الجمالي،  و أعاد تجديد أبواب زويلة و الفتوح و النصر التي بناها جوهر الصقلي قبله بأكثر من  مائة عام. لذلك عرفت المنطقة الواقعة بيت سور جوهر و سور بدر الجمالي باسم بين السورين.
و بوفاة الخليفة المستنصر و الوزير بدر الجمالي انتهي العصر الذهبي للخلافة الفاطمية، و بدأ مؤشر الحضارة يتجه للإنخفاض. و يعد العصر الفطمي الثاني هو عصر إضمحلال الخلافة الفاطمية.

الحاكم بأمر الله غريب الأطوار 996 – 1020م

الحاكم بأمر الله يخلف أبيه علي حكم مصر 996م
تولي الحاكم بأمر الله السلطة خلفاً لأبيه العزيز بالله سنة 996 م / 386 هج و كان في 11 من عمره فتولي الوصاية عليه أبو الفتوح برجوان، الذي تنسب إليه حارة برجوان.  ثم انفرد الحاكم  بالسلطة و هو في الخامسة عشر  من عمره.
يعد عهد الحاكم من أغرب العهود التي عاشتها مصر، فبعد أن أمسك الحاكم بمقاليد السلطة من برجوان تحول إلي سفاك للدماء و أتي بأمور تشير إلي أنه ربما كان مختلاً عقلياً ، فقد قتل الحاكم  أبا الفتوح برجوان خوفاً من سلطانه، و اضطهد العلماء و كتب علي المساجد سب الصحابة ولكنه عاد و محاه، و اضطهد أهل الذمة و هدم كنائسهم و أجبرهم علي لبس أجراس ثقيلة في رقابهم ، و لكنه عاد و عدل عن سياسته.
كما أدعي الحاكم بأمر الله الألوهية و معرفته بالغيب، و هناك مخطوط اسمه “رسائل الحاكم بأمر الله و القائمين بدعوته” تبين ما يدعيه الحاكم من صفات الألوهية.
وساعد الحاكم بأمر الله علي ظهور و انتشار المذهب الدرزي ، ففي سنة 1018 م / 408 هج ظهر رجل شيعي متطرف يدعي حمزة بن علي الزوزني أخذ يدعو لتأليه الحاكم بأمر الله عن طريق حلول روح الله تعالي –معاذ الله – في آدم عليه السلام ثم انتقالها إلي علي بن أبي طالب ثم الحاكم بأمر الله.
و صدق الحاكم مذهب الزوزني فانتشرت الفكرة بين كثير من السذج في الشام . و لما قتل الحاكم في القاهرة لم يعترف هؤلاء بموته بل اعتقدوا أنه سيرجع في آخر الزمان لأنه المهدي المنتظر.
و لقد انتشرت أفكار حمزة بن علي الزوزني في الشام علي يد محمد بن اسماعيل البخاري الدرزي الذي ينسب إليه المذهب الدرزي، و يتركز معظم معتنقي هذا المذهب في سوريا و لبنان و فلسطين الآن.

أعمال الحاكم بأمر الله  في مصر و نهايته
أتم الحاكم بأمر الله المسجد الحاكم الذي بدأه أبوه العزيز بالله . كما انشأ دار الحكمة سنة 1005 م / 395 هج  لنشر المذهب الشيعي لتنافس المكتبات الكبري في بغداد العباسية و قرطبة الأموية، و كانت تضم عدداً من القراء و الفقهاء و المنجمين و النحاة و الغويين و الأطباء، و كان بدار الحكمة مكتبة سميت بدار العلم حوت ما لم يجتمع مثله في مكتبة من المكتبات.
مسجد الحاكم بشارع المعز بالقاهرة
اغتيل الخليفة الحاكم بأمر الله عام 1020 م / شوال من عام 411 هج بعد أن أمضي 24 عاماً في الحكم ، و لا يعرف يقيناً كيف و لا من قتله ، و تقول المصادر التاريخية أن أخته ست الملك تآمرت مع الوزير سيف الدين بن رواس عليه فبعثوا بعبيد خلفه فقتلوه و هو يتنزه في صحراء حلوان.
خلف الحاكم في الخلافة الفاطمية ابنه الظاهر لدين الله
تولي الظاهر لدين الله الحكم خلفاً لأبيه سنة 1020 م / 411 هج ، و لكنه كان في 16 من عمره، فقامت عمته بالإشراف علي شؤون البلاد لمدة أربعة أعوام حتي توفيت عام 1024 م / 415 هج ، فأكمل الظاهر حكم الدولة. من أبرز معالم عهده أنه ألغي القوانين الشاذة التي أصدرها أبوه الحاكم بأمر الله ، كما عمل علي كسب ود أهل الذمة و أطلق لهم حرية إقامة شعائر دينهم.
أصيب الظاهر بمرض شديد حتي وافته المنية سنة 1035 م / شعبان 427 هج و هو في 31 من عمره ، فخلفه ابنه أبو تميم معد الذي لقب بالخليفة المستنصر بالله. 



الخليفة العزيز بالله يحول الجامع الأزهر إلي جامعة

تولي العزيز بالله خلافة مصر 975م و هزيمة القرامطة
تولي الخليفة العزيز بالله الخلافة سنة 975 م / 365 هج  و هو خامس الخلفاء الفاطميين و ثاني الخلفاء الذين حكموا بمصر. كان العزيز بالله قد ولد بالقيروان عام 354 هج و دخل القاهرة مع ابيه المعز لدين الله سنة 362 هج. و يعد عصر العزيز بالله من أزهي عصور الفاطميين في مصر.
و في عهده استولي أفتكين من البويهيين علي دمشق و طرد حاكمها من قبل الفاطميين ريان الخادم و جعل الخطبة في بلاد الشام للخليفة العباسي بعد أن كانت للخليفة الفاطمي ، فقرر الخليفة العزيز أن يستعين بجوهر الصقلي لاستعادة ملكه في الشام،  فخرج جوهر الصقلي ليستعيد دمشق و حاصرها سبعة أشهر، فأرسل أفتكين إلي الحسين بن أحمد من القرامطة لينضم إليه في قتال الفاطميين فأجابه و سار بجيش إلي دمشق.
لما وجد جوهر نفسه أمام جيشين ، جيش أفتكين و جيش القرامطة ، فضل الرجوع إلي مصر ، فما كان من أفتكين و الحسين القرمطي إلا أن طمعوا في هزيمته فأتبعوه و تقابلوا عند مدينة الرملة في فلسطين، فأرسل جوهر إلي الخليفة العزيز لينجده ، فخرج الخليفة العزيز بالله بنفسه في جيش عظيم استطاع به أن يهزم أفتكين و القرامطة و يشتت شملهم و يستعيد دمشق سنة 368 هج  .
أعمال العزيز بالله في مصر
شيد العزيز بالله الفاطمي قصراً آخر غربي القصر الكبير الذي أنشأه جوهر الصقلي لمولاه المعز لدين الله، و سمي بالقصر الغربي الصغير و يشغل مكانه الآن مستشفي قلاوون للرمد .
و كان بين القصر الشرقي الكبير و القصر الغربي الصغير فضاء فسيح يقف فيه عشرة آلاف من العساكر يطلق عليه ما بين القصرين، كما كان يصل بين القصرين سرداب تحت الأرض حتي ينتقل الخليفة بين القصرين بعيداً عن أعين الناس.
كما أنشأ العزيز مكتبة القصر التي قيل أنها كانت تحوي 200 ألف كتاب و مجلد في كافة فروع العلم و فاقت غيرها من المكتبات في العالم الإسلامي.
كما يرجع الفضل إلي الخليفة العزيز بالله أن حول الجامع الأزهر إلي جامعة عندما بني بجواره داراً لجماعة الفقهاء عددهم 35 فقيهاً، كانوا يجتمعون فيه بعد صلاة الجمعة و يدرسون القرآن إلي صلاة العصر و أجري عليهم الأرزاق ( مخصصات مالية ) ليتفرغوا للدراسة، و شرح نصوص التشريع الشيعي للناس.
و لقد عين العزيز بالله يعقوب بن كلس وزيراً، و من أهم أعماله  أنه أصلح نظام الضرائب فزادت نتيجة ذلك موارد البلاد المالية و استخدمها العزيز بالله في إصلاح مرافق البلاد و بناء منشآت عظيمة كالقصر الغربي و قاعة الذهب و قصور عين شمس و المسجد الذي بدأه و أتمه الحاكم بأمر الله و اسماه مسجد الحاكم.
و لما توفي يعقوب عين العزيز بدلاً منه النصراني عيسي بن نسطوروس الذي لم ينل حب الشعب لمبالغته في إكرام أهل الذمة حتي أن إمرأة كتبت للعزيز في مظلمة قائلة : ” بالذي أعز النصاري بعيسي بن نسطورس و اليهود بميشا و أذل المسلمين بهما لما كشف ظلامتي”.  فعزل العزيز عيسي، و لكنه أعاده إلي منصبه بشفاعة ابنة الخليفة العزيز ست الملك.
توفي الخليفة العزيز بالله سنة 996 م /  386 هج بعد أن حكم مصر 21 سنة و خمسة أشهر ، و خلفه ابنه علي منصور الملقب بالحاكم بأمر الله.


مصر تصبح مركز الخلافة الفاطمية في عهد المعز 972م


حكم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي
لما رأي جوهر أن دعائم الحكم الفاطمي قد توطدت في مصر أرسل إلي الخليفة المعز يدعوه للحضور إلي القاهرة  ليستقر بها و تكون عاصمة الخلافة الفاطمية.
ترك المعز لدين الله الفاطمي مدينة المنصورية ( بتونس الآن) و سار  إلي مصر و دخل القاهرة في 7 رمضان 362 هج / 972 م ، و أصبحت مصر منذ دخوله  عاصمة الخلافة الفاطمية و مقر الخليفة.
حمل المعز معه إلي مصر ألف و خمسمائة جمل محملة بالذهب ، و حمل معه رفات أجداده ليعاد دفنها في القاهرة. و سكن القصرين الذين شيدهما له جوهر الصقلي في مدينة القاهرة.
أعفي الخليفة المعز جوهر الصقلي من الوزارة خوفاً منه علي سلطته و ولي  يعقوب بن كلس ، و هو يهودي عراقي حضر إلي مصر و أقام فيها، و اشتهر بدهائه و تدبيره أيام كافور الإخشيدي حتي قال عنه ” لو كان هذا الرجل مسلماً لجعلته وزيراً”.
تحول يعقوب بن كلس إلي الإسلام عام 967 م قبل دخول الفاطميين مصر، و رحل إلي شمال إفريقيا حيث ألتحق بخدمة الخليفة الفاطمي المعز ، حتي جاء المعز إلي مصر و ولاه وزارة مصر بدلاً من جوهر الصقلي. و كان من أول أعمال يعقوب هو الإفراج عن جميع من سبق اعتقالهم من الأخشيديين و الكافوريين.
و في سبيل نشر المذهب الشيعي أصدر يعقوب أوامره بأن ينقش علي الجدران عبارة ( خير الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)  و استعان بالشعراء و أغدق عليهم للدعوة إلي المذهب الشيعي.
كما استن الخليفة المعز سنة إقامة الولائم في قصر الخليفة و تبعه الخلفاء من بعده في هذه العادة. و بلغ عرشه الذي يجلس عليه من الفخامة حداً يفوق الوصف.  كما أمر الخليفة المعز بعمل خريطة للعالم من الحرير الأزرق توضح كل أقطار العالم.
استمر الخليفة المعز في الخلافة بمصر حوالي سنتين و نصف حتي توفي وعمره 45 سنة في 17 ربيع الثاني 365 هج / نوفمبر 975 م ، و خلفه ابنه أبو منصور نزار الذي لقب بالعزيز بالله

مصر تصبح مركز الخلافة الفاطمية في عهد المعز 972م


حكم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي
لما رأي جوهر أن دعائم الحكم الفاطمي قد توطدت في مصر أرسل إلي الخليفة المعز يدعوه للحضور إلي القاهرة  ليستقر بها و تكون عاصمة الخلافة الفاطمية.
ترك المعز لدين الله الفاطمي مدينة المنصورية ( بتونس الآن) و سار  إلي مصر و دخل القاهرة في 7 رمضان 362 هج / 972 م ، و أصبحت مصر منذ دخوله  عاصمة الخلافة الفاطمية و مقر الخليفة.
حمل المعز معه إلي مصر ألف و خمسمائة جمل محملة بالذهب ، و حمل معه رفات أجداده ليعاد دفنها في القاهرة. و سكن القصرين الذين شيدهما له جوهر الصقلي في مدينة القاهرة.
أعفي الخليفة المعز جوهر الصقلي من الوزارة خوفاً منه علي سلطته و ولي  يعقوب بن كلس ، و هو يهودي عراقي حضر إلي مصر و أقام فيها، و اشتهر بدهائه و تدبيره أيام كافور الإخشيدي حتي قال عنه ” لو كان هذا الرجل مسلماً لجعلته وزيراً”.
تحول يعقوب بن كلس إلي الإسلام عام 967 م قبل دخول الفاطميين مصر، و رحل إلي شمال إفريقيا حيث ألتحق بخدمة الخليفة الفاطمي المعز ، حتي جاء المعز إلي مصر و ولاه وزارة مصر بدلاً من جوهر الصقلي. و كان من أول أعمال يعقوب هو الإفراج عن جميع من سبق اعتقالهم من الأخشيديين و الكافوريين.
و في سبيل نشر المذهب الشيعي أصدر يعقوب أوامره بأن ينقش علي الجدران عبارة ( خير الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)  و استعان بالشعراء و أغدق عليهم للدعوة إلي المذهب الشيعي.
كما استن الخليفة المعز سنة إقامة الولائم في قصر الخليفة و تبعه الخلفاء من بعده في هذه العادة. و بلغ عرشه الذي يجلس عليه من الفخامة حداً يفوق الوصف.  كما أمر الخليفة المعز بعمل خريطة للعالم من الحرير الأزرق توضح كل أقطار العالم.
استمر الخليفة المعز في الخلافة بمصر حوالي سنتين و نصف حتي توفي وعمره 45 سنة في 17 ربيع الثاني 365 هج / نوفمبر 975 م ، و خلفه ابنه أبو منصور نزار الذي لقب بالعزيز بالله

جوهر الصقلي يفتح مصر للفاطميين 969م



أحوال مصر عند الفتح الفاطمي
كانت مصر تتبع الدولة العباسية تبعية أسمية حيث بلغت الخلافة العباسية في بغداد درجة كبيرة من الضعف بحيث لم يعد للخليفة أية سلطة عليها بعد أن أستقل حكام الولايات بولاياتهم مع بقاء اعترافهم بالسيادة الدينية للخلفاء العباسيين ممثلة في ذكر اسم الخليفة العباسي في خطبة الجمعة و نقش اسمه علي السكة ( العملة).
فاستقلت مصر أيام الدولة الطولونية ثم الإخشيدية ، كما استقل السامانيين بخراسان و بلاد ما وراء النهر، و أنشأ عبد الرحمن الثالث الخلافة الأموية في الأندلس.
و بلغت الخلافة العباسية ضعفاً كبيراً حتي في عقر دارها فأصبح الخليفة العباسي تحت سيطرة قواده من الفرس و الأتراك الذين جاء بهم ليكونوا جنوداً له بدلاً من العرب،  فتحول الأمر أن أصبحوا هم القوة الحقيقية المسيطرة، فقامت الدولة البوبهية في العراق و بعض مدن فارس، و الدولة الحمدانية في الموصل و ديار بكر، و الدولة الغزنوية في أفغانستان أولاً ثم ما لبثت أن استولت علي بعض أملاك الدولة السامانية و الدولة البويهية.
علي الرغم أن هذه الدويلات المستقلة كانت تمثل تفتيتاً للخلافة العباسية الجامعة و أدت إلي نزاعات كثيرة فيما بينها، إلا أنها في الوقت نفسه أفرزت قادة أقوياء استطاعوا أن يصدوا هجمات البيزنطينيين و أن يوسعوا حدود الأمة الإسلامية بفتح دولاً جديداً ما كانت الخلافة العباسية تستطيع أن تصلها بعد ما حل بها من ضعف و ميل إلي الترف و البذخ ، منها علي سبيل المثال بلاد الهند التي فتحتها الدولة الغزنوية و كانت سبباً في دخول الإسلام لشبه القارة الهندية ( الهند و باكستان و بنجلادش الآن).
و كثرة الدويلات الإسلامية المنفصلة عن الخلافة العباسية قد أدي أيضاً إلي ظهور مراكز حضارية بجانب بغداد هي عواصم تلك الدويلات مثل القاهرة و قرطبة و طشقند و غيرها مما وسع الزخم الحضاري للحضارة الإسلامية.
الفتح الفاطمي لمصر
حاول الفاطميون فتح مصر ثلاث مرات سابقة حتي تولي الخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الخليفة المعز لدين الله الفاطمي  سنة 341 هج ، و بدأ في تجهيز جيش ضخم ليفتح به مصر وصل عدده إلي 100 ألف جندي ، وولي علي قيادته جوهر الصقلي .
خرجت الحملة في 14 ربيع ثاني سنة 358 هج / فبراير 969 م من مدينة القيروان بقيادة جوهر الصقلي و دخل الاسكندرية فسلمها أهلها بدون قتال. و أدرك أهل الفسطاط أنه لا قبل لهم بصد جيوش الفاطميين فأرسل الوزير جعفر بن الفرات رسولاً من العلويين إلي جوهر الصقلي يطلب منه الأمان ، ووافق جوهر وكتب عهداً بنشر العدل و بث الطمأنينة و ترك الحرية للمصريين في إقامة شعائرهم الدينية.
و في 17 شعبان دخل جوهر مصر ( الفسطاط ) وخرج الوزير جعفر بن الفرات و سائر الأشراف و العلماء في استقباله و رحبوا به ، و عسكر جوهر في الموضع الذي بنا فيه مدينة القاهرة.
و هكذا زال سلطان الخلافة العباسية و الحكم الإخشيدي في مصر بدون قتال ولا ضربة سيف واحدة و أصبحت مصر ولاية فاطمية في دولة تمتد من المحيط الأطلنطي غرباً إلي البحر الأحمر شرقاً و استمرت كذلك لمدة 200 عام.
أعمال جوهرالصقلي في مصر
حكم جوهر الصقلي مصر حوالي ثلاث سنوات من 969 م / 358 هج  إلي 972 م / 362 هج كإحدي الولايات الفاطمية نائباً عن الخليفة الفاطمي المعز الله الفاطمي .
كان جوهر الصقلي حاكماً عادلاً يجلس للمظالم بنفسه و يرد الحقوق لأصحابها و يضرب علي أيدي المفسدين و مثيري الإضطرابات. ، كما كان يمنع الجند المغاربة من الإعتداء علي الأهالي.
أسس جوهر الصقلي القاهرة ، رابع عواصم مصر الإسلامية ، لتكون مقراً لحكم الخليفة الفاطمي في مصر. و كان مساحتها الأولية 340 فداناً علي شكل مربع طول ضلعه 1200 متر تقريباً ، و كانت تمتد من منارة جامع الحاكم شمالاً إلي باب زويلة جنوباً  و يحد من المدينة شرقاً تلال المقطم و من الغرب الخليج الكبير و من الجنوب مدينة القطائع ، كما قام ببناء سور يحيط بمدينة الجديدة من الطوب اللبن له ثمانية أبواب هي : باب زويلة و باب الفرج من الجنوب و باب الفتوح و باب النصر من الشمال و باب القراطين ( باب المحروق) و باب البرقية من الشرق و باب القنطرة في الغرب.
اختط جوهر الصقلي قصراً كبيراً لإقامة الخليفة الفاطمي و كان يقع بالقرب من السور الشرقي لذلك سمي بالقصر الشرقي. و كان يمتد من الموضع الذي يوجد به المشهد الحسيني الآن إلي الجامع الأقمر تقريباً و كانت له تسعة أبواب: ففي الناحية الشرقية كانت توجد أبواب العيد و الزمرد و قصر الشوك و الناحية الغربية كانت توجد أبواب البحر و الذهب و الزهومة ، و الناحية الجنوبية كانت توجد أبواب تربة الزعفران و الديلم و في الناحية الشمالية باب واحد هو باب الريح.
نشر المذهب الشيعي
عمل الفاطميون منذ أول يوم لهم علي تحويل أهل مصر إلي المذهب الشيعي، و لكن بدون إجبار. فأمر جوهر الصقلي المؤذنين في المساجد بأن يؤذنوا بحي علي خير العمل بدلاً من حي علي الفلاح – و هو مذهب الشيعة في الآذان.
كما أنشأ الجامع الأزهر ليكون مركزاً يتلقي الناس فيه عقائد المذهب الشيعي، و الذي سعي إلي نشره بالطرق السلمية و الترغيب. فكان يقوم بتعيين معتنقي المذهب الشيعي من المصريين في مناصب الدولة المهمة.
بدأ جوهر بناءه للمسجد الجامع ، الذي سمي بعد ذلك جامع الأزهر ، في أبريل سنة 970 م / جمادي الآخر 359 هج،  و اتمه في يونية سنة 972 م / 361 هج. و كانت مساحة الأزهر عند بنائه نصف مساحته الحالية التي تبلغ الآن 12000 متراً مربعاً.
الجامع الأزهر بالقاهرة
أقيمت في الجامع الأزهر أول صلاة جمعة يوم 6 رمضان سنة 361 هج، و لاحظ الناس أن الخطيب لم يدع للخليفة العباسي كما كان من قبل، و إنما دعي للخليفة الفاطمي المعز لدين الله.
كما أمر جوهر بأن يقال في الخطبة :” اللهم صل علي محمد المصطفي، و علي عليٌ المرتضي، و علي فاطمة البتول، و علي الحسن و الحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً، و صل علي الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله “.
أتبع الفاطميون وسائل مبتكرة في الترويج لمذهبهم الشيعي، فإلي جانب تعيين معتنقي المذهب في مناصب الدولة، لجأ الفاطميون إلي استحداث احتفالات دينية لم تكن موجودة من قبل، و ربطها بمظاهر فرح و طقوس يغلب عليها البهجة و الاستمتاع، و ذلك لتحبيب الناس في المذهب الجديد. من تلك الاحتفالات الاحتفال بالمولد النبوي الشريف و ليلة النصف من شعبان و عاشوراء و احتفالات شهر رمضان،  و ابتداع أكلات و أغاني مخصوصة لهذه الأعياد منها أكلات الكنافة و القطائف في شهر رمضان، و طبق العاشوراء في مولد عاشوراء، و أغنية وحوي يا وحوي التي يغنيها الأطفال و هم يخرجون بالفوانيس في ليالي رمضان.
ضم الشام و فلسطين لسلطان الفاطميين
كان طموح الفاطميين هو التوسع شرقاً علي حساب الخلافة العباسية ،فكلف جوهر الصقلي لذلك جعفر بن فلاح و هو قائد مغربي من قبيلة كتامة بضم فلسطين و الشام لسلطان الفاطميين ، و كانت فلسطين و الشام في ذلك الوقت تحت حكم بقايا الإخشيديين. و  دارت معركة فاصلة بين الجيش الفاطمي و جيش الإخشيد بقيادة الحسن بن عبد الله بن طغج، و  انتصر فيها الفاطميون و تمكنوا من بسط نفوذهم علي دمشق و فلسطين سنة 969 م / 359 هج و أصبحت الخطبة في بلاد الشام للخليفة الفاطمي.
و لكن الفاطميون لم يهنأوا طويلاً ، فقد انقلب عليهم القرامطة في الجزيرة ، علي الرغم أنهم شيعيون أيضاً ، و زحفوا علي دمشق و استولوا عليها و هزموا الفاطميين الذين ارتدوا إلي مصر فتبعهم القرامطة داخل مصر و تقابل الجيشان شرق القاهرة ، و دارت معركة قاسية استطاع فيها الفاطميون صد القرامطة و ردهم إلي الشام