‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر الاسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر الاسلامية. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٥ يناير ٢٠١٣

مصر تصبح ولاية عثمانية


تحول مركز الخلافة من مصر إلي القسطنطينية
صارت مصر ولاية عثمانية بعد انتصار سليم الأول علي طومان باي في موقعة الريدانية سنة 1517م.
و كان غرض الاتراك الاحتفاظ بسلطانهم في الولايات التي فتحوها، فعمدوا إلي تغيير الولاة بصفة مستمرة، و التفرقة بين الحكام. فكان قصر مدة حكم الوالي لا تدعوه إلي النظر في مصالح البلاد و الرعية، و إنما كان همه الأكبر ارهاق المصريين بالضرائب و جمع المال بكل وسيلة، منها لإرضاء الاستانة فتبقيه في مصر، و منها للتمتع بما جمعه من أموال بعد عزله من الولاية.
كما أن الخلافة العثمانية اختلفت عن الخلافة العباسية، في أنها كانت من الأتراك و ليس العرب. و كان الأتراك يضمرون غيظاً و حقداً علي العنصر العربي الذي استأثر بالخلافة الإسلامية طوال أحد عشر قرناً من الزمان.
لذلك كان سلاطين الدولة العثمانية يهدفون إلي نقل مشعل الحضارة الإسلامية من المدن العربية في بغداد و دمشق و القاهرة إلي عاصمتهم القسطنطينية
و في ذلك يقول شحاتة عيسي إبراهيم في كتابه ” القاهرة” أن السلطان سليم الأول سلطان العثمانيين لم يكن يعني برفاهية مصر و تقدمها بقدر اهتمامه بربطها بعجلة الامبراطورية العثمانية، و استنزاف مواردها، و ابتزاز أموالها، و اذلال أهلها.
و ينقل عن المؤرخ المصري ابن اياس الذي عاصر الغزو العثماني لمصر، أن سليم الأول أمر بجمع ألفين من المصريين، من رجال الحرف و الصناعات و كبارالتجار و القضاة و الأعيان و الأمراء، ثم حبسهم في أبراج الأسكندرية انتظاراً لقيام المراكب العائدة إلي القسطنطينية، ثمر رحل بهم إليها.
كما قام العثمانيون الذين أتوا مع حملة سليم الأول بنزع ما في بيوت مصر و القاهرة أثمن ما فيها من منقول و ثابت، حتي الأخشاب و البلاط و الرخام و الأسقف المنقوشة و مجموعة المصاحف و المخطوطات و المشاكي و الكراسي النحاسية و المشربيات و الشمعدنات و المنابر.
و تميز الولاة الذين تولوا ولاية مصر في عهد العثمانيين أن همهم الأول كان جمع الأموال بكل الطرق و ابتزاز التحف و الهدايا من الناس. فلم يكن يعنيهم القيام بأي أعمال أو انشاءات تخلد ذكراهم، فهم راحلون إلي أوطانهم عما قريب .
و الحقيقة التي اتفق عليها المؤرخون هي أن مصر دخلت بالفتح العثماني طور الكمون و السبات العميق لمدة ثلاثة قرون ( 300 سنة) لم يكن لها فيه شأن يذكر في التاريخ.
نزاعات سياسية مستمرة
كانت مصر بعد هزيمة المماليك في الريدانية قد أصبحت ولاية عثمانية سنة 1517 م. و منذ البداية أقام السلطان العثماني سليم الأول ثلاث إدارات تحكم مصر كل منها تراقب الأخري و هي:
-          الوالي: و هو نائب السلطان. و قد حرص السلطان علي أن تكون مدة ولايته قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات حتي لا ينفرد بالسلطة .و يتم إختياره مقابل مبلغ كبير من المال يدفعه قبل أن يصل إلي القاهرة و يتم التجديد لسنة أخري مقابل هدايا. بل إن مناصب القضاة كانت توزع علي من يدفع أكثر.
-          الحامية العسكرية : و تتكون من ست فرق عسكرية لكل منها مهامها الخاصة بها و يعاون رئيس كل فرقة مسؤولون ماليون و إداريون. و من هؤلاء جميعاً يتألف الديوان و هو بمثابة مجلس شوري الوالي. و مهمة الديوان كما حددها السلطان مراقبة الوالي، و من حقه الاعتراض علي قراراته و عزله. ثم دخل بعض العلماء و الأعيان و مشايخ البلاد هذا الديوان فيما بعد.
-          البكوات المماليك : من بقايا السلطة المملوكية و قد أبقي عليهم السلطان العثماني لإحداث توازن بين الوالي و الحامية العسكرية. و قد عهد إليهم بإدارة شئون الأقاليم و المديريات.
و لقد قسمت مصر في عهد العثمانيين إلي خمسة عشر إقليماً ( سنجقاً): تسعة منها في الوجه البحري و هي: البحيرة و رشيد و الغربية و منوف و دمياط و المنصورة و الشرقية و قليوب و الجيزة ، و ثلاثة في الوسطي و هي: إطفيح و الفيوم و بني سويف ، و ثلاثة في العليا و هي أسيوط و جرجاو قوص.
و كان علي رأس كل سنجق ( مديرية) أمير من المماليك يقال له الكاشف. و مرجع كل هؤلاء الأمراء إلي شيخ البلد المقيم في القاهرة.
و لقد كثرت المنازعات بين الأمراء المماليك بعضهم بعض، و بينهم و بين فرق الحامية العسكرية و الوالي العثماني. و هي منازعات لم تخمد في أي فترة من الفترات، و كانت أوضح ما تكون في القاهرة التي غلب عليها الفقر و كساد تجارتها، لأنها كانت مقر الوالي و أعضاء الديوان و جنود الحامية العسكرية و البكوات المماليك. فلا تلبث الشوارع أن تتحول إلي ساحات قتال، و يكثر سلب و نهب المتاجر و تكسد التجارة.

انهيار اقتصادي نتيجة تحول طريق التجارة
يعد حكم الولاة العثمانيين لمصر هو أسوأ حكم شهدته مصر في تاريخها الإسلامي و أطول فترة إضمحلال في العصر الإسلامي حيث استمرت قرابة 300 عام.
خسرت مصر كثيراً بسبب تحول الطريق التجاري المؤدي إلي الهند إلي طريق رأس رجاء الصالح بدلاً من الطريق الذي يمر بمصر من البحر المتوسط إلي البحر الاحمر. و بذلك فقدت مصر مورداً اقتصادياً هائلاً ، و اقتصرت صلاتها التجارية بحوض البحر المتوسط و السودان و بلاد الحبشة و الحجاز و اليمن.
كذلك تدهورت الشؤون الإقتصادية الداخلية لعدم استقرار الأمن و اشتداد النزاع بين فرق الحامية العسكرية و الإغارات المتلاحقة من بدو الصحراء فضلاً عن عدم ثبات قيمة العملة المتبادلة و اختلاف المكاييل و الموازين من مكان إلي مكان.

مظاهر التخلف الإجتماعي و العلمي
أهمل العثمانيون مصر، و لم يحاولوا تنمية المجتمع بأي طريقة. و إنما كانوا ينظرون للمصريين بنظرة تعالي و احتقار. و قصروا الوظائف الإدارية علي نفس عنصرهم التركي و عنصر المماليك الشركسي.
لذلك انحط المستوي الاجتماعي للشعب المصري، و شاع الاعتقاد في السحر و الخرافات و راجت أسواق المشعوذين و الدجالين.
و يحكي الأستاذ شحاتة عيسي إبراهيم في كتابه القاهرة عن اشاعة راجت في أحد الأيام من عام 1735 م / 1147 هج أن يوم البعث سيكون يوم الجمعة السادس و العشرين من ذي الحجة. و أخذ الناس يودع بعضهم بعضاً الوداع الأخير، و يهيمون علي وجوههم في الحقول و الطرقات. و انقضي اليوم و لم تقم الساعة و الناس مازالوا أحياء يرزقون. فشاع بينهم مرة أخري أن السيد أحمد البدوي و السيد الدسوقي و الإمام الشافعي تشفعوا للناس عند الله أن يؤجل لهم قيام القيامة، فقبل شفاعتهم!
كما قل ظهور علماء أو مفكرين في ذلك العصر، و انحطت اللغة العربية نتيجة استخدام اللغة التركية كلغة رسمية للبلاد. و أصبح علماء الأزهر هم حملة مشعل العلم و اللغة في ذلك العصر، يمثلون المجتمع في مطالبهم من الولاة. و سنراهم يقودون الثورات ضد الفرنسيين ، و بعد ذلك يولون محمد علي ولاية مصر.
انحسار العمارة الإسلامية الجميلة
لم يخل العصر العثماني من منشآت معمارية كالمساجد و التكايا و الأسبلة، و لكن الفرق كان شاسعاً بين العمارة الإسلامية البديعة أيام دولة المماليك، و عمارة العصر العثماني.
فقد أثرت الحالة الاقتصادية السيئة بشكل سلبي علي العمارة الإسلايمة في ذلك العصر، فقد كان فيها كثير من الاقتصاد من حيش المساحة و من حيث الزخرفة. كما قلت الدقة في البناء، لقلة الثروة من ناحية و تقهقر الصناعات من جهة أخري.
و من أهم المنشآت في ذلك العصر سبيل خسرو باشا بالنحاسين الذي اُنشئ سنة 945 هج/ 1538 هج و يقع بجوار قبة السلطان الصالح نجم الدين أيوب.
و لقد استحدث العثمانيون في بناء الجوامع بمصر الشكل التركي و هو متخذ من شكل الكنائس البيزنطية القديمة. و أهم مظاهر هذا الاقباس هو اتخاذ القباب بدلاً من السقف المستوية، فصارت القبة في كل جامع هي المركز الذي يدور عليه بناء الجامع. و كانت القباب قبل ذلك تستخدم في الأضرحة فقط.
و من أشهر جوامع هذا العصر جامع سليمان باشا الذي شيد داخل القلعة سنة 935 هج/ 1528 م. و جامع سنان باشا ببولاق المشيد سنة 979 هج/ 1571 م. و جامع الملكة صفية بالداودية المشيد سنة 1019 هج/ 1610 م.
و من أشهر المنشآت أيضاً سبيل عبد الرحمن كتخدا المشيد سنة 1157 هج/ 1744 م، و يقع عند ملتقي شارعي النحاسين و الجمالية.
و الحقيقة أن معظم المنشآت في ذلك العصر كانت من أعمال الأمراء المماليك و ليس من أعمال الولاة العثمانيين. و يعد عبد الرحمن كتخدا هو شيخ المشيدين و المرممين في ذلك العصر، فله 18 جامعاً في القاهرة من بين منشأ و مجدد. و أشهر ترميماته ترميمه للجامع الأزهر و ضريح السيدة زينب بنت علي و السيدة سكينة.
و آخر ما أُقيم في مصر من الآثار التركية الجميلة السبيل و الكتاب الذان بناهما السلطان مصطفي الثالث تجاه مسجد السيدة زينب، و سبيل و كتاب السلطان محمود الأول في شارع درب الجماميز.


الخميس، ٣ يناير ٢٠١٣

السلطان طومانباي و زوال دولة المماليك


السلطان طومان باي و نهاية الدولة المملوكية
ارتدت فلول جيش المماليك المنهزمة أمام العثمانيين عائدة إلي مصر و دخلت القاهرة في أكتوبر عام 1516 م. و قاموا بتولية طومان باي خلفاً لقنصوه الغوري.
 رفض طومان باي إنذار سليم الأول بإخضاع مصر لسلطان العثمانيين. و أخذ يستحث المماليك للخروج لملاقاة جيش العثمانيين قبل أن يدخلوا مصر. و لكنهم تقاعسوا حتي دخل عليهم العثمانيون مصر ووصلوا إلي الصالحية.
تقابل جيش المماليك و جيش العثمانيين بقيادة طومانباي عند الريدانية في موقعة طاحنة عام 1517م ، و قتل من العثمانيين الكثير، و لكنهم استماتوا في القتال، و استخدم سليم الأول مرة أخري الخونة من المماليك لنقل أخبار الجيش إليه. و انهزم جيش المماليك مرة أخري، و لما استيأس من النصر، هرب طومانباي و من معه إلي داخل القاهرة. و حاولوا الهجوم علي معسكر العثمانيين أكثر من مرة، و لكن دون جدوي.
 دخل سليم الأول القاهرة من باب النصر، و عسكر داخل المدينة. و انطلقت جنوده تبحث عن طومانباي في كل مكان، حتي وشي به احد مشايخ العربان الذي كان طومانباي مختبئاً عنده، فشنقه سليم الأول و علقه علي باب زويلة في 23 ربيع الأول 923 هج / 15 أبريل 1517 م . و ظل جسده مصلوباً لمدة ثلاثة أيام ثم دفن.
 و لقد بكاه الناس كثيراً لشجاعته و إبائه و نبله. و بذلك انتهي عهد المماليك الذي استمر 250 عاماً و تحولت مصر إلي ولاية عثمانية و ظلت كذلك لمدة ثلاثة قرون كاملة من 1517 إلي 1798 م عند مجئ الحملة الفرنسية.
 استمرت دولة المماليك في مصر لأكثر من قرنين و نصف من الزمان ( 250 سنة) من سنة 1250م إلي 1517م .و تنقسم إلي قسمين : مماليك البحرية من اصول تركية و كانوا يعيشون في معسكرات علي النيل في الروضة و حكموا من سنة 1250 إلي 1390م من خلال 24 سلطاناً ، و القسم الآخر المماليك البرجية من أصل قوقازي و كانوا يعيشون في أبراج حول قلعة القاهرة (قلعة الجبل) و حكموا من سنة 1390 م إلي 1517 م  من خلال 23 سلطاناً و انتهي حكمهم حين تغلب عليهم العثمانيين الأتراك بقيادة سليم الأول.
 و تميزت دولة المماليك أنها لم تكن دولة عائلية يتم توارث السلطة في داخل عائلة واحدة مثل الدولة الأيوبية مثلاً أو الخلافة الفاطمية، و إنما كانت دولة من قواد العسكر ، و كان السلطان المملوكي هو الأقوي من بين زملائه و هو يملك القوة العسكرية التي تضمن له السيطرة و الحكم. هذه المنافسة بين قواد العسكر مكنت دولة المماليك من الاحتفاظ بقوتها و شبابها لمدة 250 سنة و تصدت أعتي الهجمات علي الأمة الإسلامية و هي الهجمات المغولية. كما استطاعت أن تطهر أقاليم الشرق من الصليبيين نهائياً ، و لم ينتابها الضعف إلا في أواخر عهدها حين غرقت في حياة الترف و البذخ و  بعد خسارتها موردها الرئيسي من الأموال التي كانت تحصلها من إشرافها علي الطريق التجاري الذي يمر من البحر المنوسط إلي البحر الأحمر، و ذلك بعد اكتشاف طريق رأس رجاء الصالح.
 يعد عهد المماليك هو العصر الذهبي للعمارة في مصر، فقد كان الإقبال عظيماً علي الإنشاء و التعمير، و ذلك بسبب كثرة الأموال التي انهالت عليهم من التجارة الشرقية و الممر التجاري الذي كان يمر عن طريق مصر من أوربا إلي آسيا. و لقد تسابق سلاطين المماليك في إقامة المساجد الفخمة و القصور الشاهقة و أقاموا الجوامع و المدارس و الأسبلة و الحمامات و الوكالات


قنصوه الغوري و زحف العثمانيين إلي مصر

السلطان قنصوه الغوري و هزيمة المماليك أمام العثمانيين
شهدت البلاد عقب وفاة قيتباي حالة من الفوضي استمرت من 1496 م إلي 1501 م و حكمها ستة سلاطين في فترة قصيرة، و يكفي أن نعلم أن هؤلاء السلاطين انتهي أمرهم إما بالقتل أو السجن، حتي أصبح منصب السلطان غير مرغوب فيه بدليل أن قنصوه الغوري بكي و رفض قبول منصب السلطان، و لكن عاد و قبله بعد أن أخذ عهداً من قادة العسكر ألا يقتلوه إذا أرادوا عزله.
 أثبت قنصوه الغوري الذي تولي السلطنة و قد تجاوز عمره الستين عام 1501 م أنه رجل قوي الشكيمة و استطاع أن يعيد النظام و الأمن للبلاد.
و لكن في عهده فقدت مصر مكانتها كوسيط تجاري يبن أوروبا و بلاد آسيا، بعد اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس رجاء الصالح. و بذلك فقد مورد كبير من موارد خزانة الدولة فعمد إلي رفع الضرائب علي المصريين مما أدي إلي تدهور الوضع الإقتصادي و أحوال المصريين المعيشية.
 كانت العلاقة بين المماليك و العثمانيين قد ساءت بدرجة كبيرة، بسبب تشجيع العثمانيين للثورات ضد المماليك في الشام، و كذلك إيواء المماليك للأمراء العثمانيين المتمردين علي السلطان سليم الأول.
 أراد سليم الأول أن يجر قنصوه الغوري إلي المعركة، فاستولي علي مدنة بلغادر، التي تتبع ممتلكات المماليك في الشام. فعرف قنصوه الغوري أن سليم الأول قادم إلي مصر لا محالة. ففضل أن يخرج إليه.
كان سليم الأول قد أعد جيشاً جراراً لملاقاة قنصوه في الشام، فقد كان الاستيلاء علي مصر هو إحدي أهدافه الرئيسية، لأن مصر كانت مركز قوة الخلافة العباسية.
اعتمد السلطان العثماني علي الخونة من المماليك ليدلوه علي مواطن ضعف جيش المماليك و ليستميلوا قواد المماليك إلي جيش العثمانيين.
سبيل الغوري
 تقابل جيش العثمانيين و جيش المماليك عند مرج دابق في الشام في 30 رجب 922 هج / 1516 م، و انهزم المماليك نتيجة خيانة بعض أمراء الشام الذين اشتري سليم الأول ذممهم قبل المعركة، من أمثال خاير بك أمير حلب، الذي انسحب بجنوده من جيش المماليك وسط المعركة. و قتل قنصوه الغوري في المعركة بعد أن أظهر شجاعة كبيرة.
و بذلك فقد المماليك حكمهم علي الشام التي تحولت إلي ولاية عثمانية، و أصبح الطريق ممهداً لزحف العثمانيين إلي مصر.


السلطان قايتباي

السلطان قايتباي
تلت وفاة جقمق فترة اضطراب في أحوال البلاد الداخلية نتيجة الصراع علي السلطة. و في هذا المناخ السياسي الملئ بالاضطرابات خلع المماليك السلطان تمربغا و ولوا الأمير قايتباي السلطنة سنة 873 هج/1468 م.
ينتمي قايتباي لأصل شركسي، اشتراه سيده جقمق بخمسين ديناراً. و لكنه أظهر نبوغاً في الفروسية و فنون الحرب. و ظل يترتقي في المراتب حتي ولاه القادة المماليك ليكون حاكماً لمصر. و هو يعد أقوي الأمراء المماليك الشراكسة بعد السلطان برقوق.
سبيل قايتباي
في عهده بدأت العلاقة بين المماليك و العثمانيين تسوء و خاصة حين ساعد العثمانيون اضطرابات الشام ضد حكم المماليك.
و تجدد الوباء في عصره و فتك بآلاف المصريين حتي أنه راح ضحيته زوجته و ابنته.
توفي قيتباي عام سنة 901 هج/1495 م  بعد أن حكم مصر 27 سنة، و من أهم أعمال قيتباي منشآته المعمارية التي بناها في القاهرة و منها تربة قيتباي التي تتكون من مدرسة و تربة و سبيل و كتاب. و هي تعتبر من أجمل المباني الإسلامية في ذلك العصر.
كما بني في الأسكندرية قلعة قايتباي لتحمي مصر من هجمات القراصنة.


السلطان برسباي

كان برسباي وصياً علي الصالح ناصر الدين ابن السلطان ططر ، ثم خلعه و عين نفسه سلطاناً علي البلاد عام 1421 م / 824 هج و استمر حكمه 16 سنة و امتاز بالاستقرار.
من أبرز أعمال برسباي أنه استطاع فتح قبرص التي استعصت علي سلاطين المماليك قبله. و ترجع قصة فتح قبرص إلي أن السلطان برسباي كان قد أرسل بهدايا للسلطان العثماني علي ظهر إحدي السفن ، فقام ملك قبرص بنهبها ، فكان رد فعل برسباي هو أنه أصدر أوامره بالاستيلاء علي أموال التجار الفرنجة في المواني الإسلامية و منعهم من السفر ، و أرسل برسباي ثلاث حملات لغزو قبرص أعوام 1424 م / 1425 م / 1426 م كان أكبرها الحملة الثالثة التي تكونت من 100 سفينة و استولت  علي ميناء ليماسول في قبرص و هدمته و دمرت ما به من تحصينات و دارت معركة فاصلة مع ملك قبرص في السهل الشمالي الشرقي و حلت هزيمة منكرة بالقبارصة و أُسر ملكهم و دخلت القوات المملوكية نيقوسيا عاصمة الجزيرة و رفعت الأعلام السلطانية المملوكية.
و أطلق سراح ملك قبرص مقابل فدية قدرها 200 ألف دينار و هي أكبر من فدية ملك فرنسا لويس التاسع الذي أسر في الحملة الصليبية الخامسة.
مدرسة الأشرف برسباي
ووقعت معاهدة أصبحت قبرص بمقتضاها تابعة للدولة المملوكية و يحكمها ملكها باسم سلطان مصر منذ عام 1427 م.
و في عهد برسباي انتشر الطاعون في مصر مرتين ، مرة عام 1430 م / 833 هج و استمر أربعة أشهر هلك فيه الآلاف من المصريين ، و الثاني سنة 1438 م / 841 هج و لكنه أقل فتكاً من الأول.
توفي برسباي في شهر ذي الحجة عام 841 هج / 1438 م بعد أن حكم مصر 17 عاماً كانت فترة استقرار.
بعد وفاة السلطان برسباي خلفه في الحكم ابنه العزيز أبو المحاسن و كان في الرابعة عشر من عمره ، و لكن المماليك خلعوه و بايعوا جقمق عام 1439 م / 842 هج الذي ظل في الحكم حتي وفاته سنة 1454 م /     857 هج.  فخلفه ابنه المنصور أبو سعدات ولكن المماليك أطاحوا به وولوا أميرهم  الأشرف إينال في نفس العام. حكم إينال ثمانية أعوام حتي سنة 1462 م و خلفه ابنه المؤيد و لكن المماليك عزلوه و عينوا الظاهر خشقدم الذي حكم البلاد ستة أعوام حتي مات سنة 1468 م . فجاء في الحكم بعده من الأمراء الضعاف هم  بلباي و الظاهر تمربغا.



العصر المملوكي الثاني و أسرة برقوق

السلطان برقوق 1382-1399م
علي الرغم أن المماليك البحرية قد وصلوا إلي منتهي الضعف في أواخر عصرهم ، إلا أنهم في مجمل الأوضاع كانوا أكثر تنظيماً من المماليك البرجية الذين نزعوا إلي حياة الترف و البذخ و ركنوا إلي الدعة و تخلفوا في الصناعات الحربية عن الفرنجة و العثمانيين.
في حين نجد المماليك البحرية بقيادة بيبرس يكسرون شوكة المغول بقيادة هولاكو،  نجد المماليك البرجية يفشلون في التصدي للمغول بقيادة تيمورلنك و لكن لحسن حظهم اعتنق تيمورلنك الإسلام و عقدوا معه هدنة جعلت مصر آمنة من هجمة المغول الثانية
كان برقوق وصياً علي آخر أحفاد الناصر محمد بن قلاوون، الأمير حاج بن شعبان، و استطاع برقوق أن يصبح سلطاناً بعد إقصاء هذا الطفل من الحكم بمعونة كبار رجال الدولة عام 1382 م / 784 هج .
يعتبر برقوق هو مؤسس دولة المماليك الثانية من المماليك البرجية الذين كانوا يسكنون القلعة و أصلهم من الشركس.
شهدت الفترة الأولي من حكمه اضطرابات بين المماليك الترك و المماليك الشراكسة أدت إلي إقصائه عن كرسي السلطنة و سجنه في الكرك، و لكنه هرب من سجنه و أعاد تنظيم أنصاره و استطاع العودة إلي الحكم مرة ثانية.
توفي السلطان برقوق عام 1399 م / 801 هج بعد أن حكم مصر 17 عاماً.
فرج بن برقوق 1399-1411م
تولي فرج بن برقوق الحكم بعد وفاة ابيه برقوق سنة 1399 م / 801 هج.
وفي عهده تلقي المسلمون أقصي الهزائم أمام المغول بقيادة تيمورلنك، الذي قاد الموجة الثانية من هجمات المغول علي المشرق الإسلامي.
ففي عام 1400 م / 803 هج هاجم المغول بقيادة تيمورلنك مدينة حلب التي كانت تحت سلطان المماليك، و نهبوها و فعلوا من الفظائع بالنساء و الأطفال مثلما فعل هولاكو بأهل بغداد. و استمرت المذابح 4 أيام حتي قتل ما لايقل عن 20 ألف إنسان أعزل. ثم أخذ الجند يهدمون المدينة حتي تركوها خاوية علي عروشها.
ثم أتجهت جيوش تيمورلنك لمدينة حماه ليفعلوا بها ما فعلوه بمدينة حلب. كل ذلك و السلطان فرج بن برقوق منغمس في حياء الترف و منشغل بمكائد المماليك ضد بعضهم البعض.
جاءت الأخبار للسلطان فرج أن تيمورلنك يزحف بجيوشه إلي دمشق ، فحشد المماليك و سار إلي دمشق حتي دخلها في جمادي الأولي من عام 803 هج ، و تقابل مع جيش المغول ودارت المعركة سجالاً.
و أرسل تيمورلنك رسائل للسلطان فرج يطلب الصلح فوافقه و عاد إلي مصر في 5 جمادي الآخرة من نفس العام.
مسجد و مدرسة فرج بن برقوق
ولكن تيمورلنك نزل بالقرب من دمشق و طلب من أهلها دفع جزية كبيرة وإلا دمر المدينة ، فجمع له الأهالي كل ما لديهم من أموال و نفائس ، و لكن تيمورلنك طلب المزيد، فأمر جيشه بدخول دمشق و نهب أهلها بيتاً بيتاً فوقع سلب و نهب و مذابح كبيرة لأهل دمشق و استمرت 20 يوماً. ثم رحل التتار عن دمشق يوم الجمعة من شهر شعبان من عام 803 هج.
أرسل تيمورلنك إلي فرج بن برقوق باطلاق سراح أمير مغولي اسمه أطلمس كان المماليك قد اسروه و إلا زحف تيمورلنك إلي مصر. فأذعن فرج لمطالبه و أطلق سراح أطلمس و عقد صلحاً مع تيمورلنك يتعهد فيه السلطان فرج بطاعة تيمورلنك و الدعوة باسمه في مساجد مصر.
و جاءت نهاية فرج بن برقوق مأساوية عندما قتله الأمير المؤيد شيخ الذي قاد ثورة الشام ضد فرج في 1411 م / 815 هج.
مؤيد المحمودي 1412-1420م
بعد اغتيال السلطان فرج بن برقوق خلفه في الحكم الخليفة العباسي نفسه الذي كان مستقراً بالقاهرة بعد دخول المغول بغداد. و لكن سرعان ما خلعه المماليك و بايعوا مؤيد المحمودي و هو من الأمراء الشراكسة الذي حكم البلاد من 1412 م حتي توفي سنة 1420 م / 824 هج
علي الرغم أن مؤيد المحمودي لم يمض في الحكم أكثر من سبعة أعوام،  إلا أنه ترك لنا أثراً جميلاً باقياً حتي الآن هو مسجد و مدرسة و سبيل المؤيد. جاء هذا البناء جاء وفاءاً لنذر نذره  المؤيد إن خرج من السجن و أصبح سلطاناً أن يبني هذا البناء في نفس موضع السجن. و يقع هذا البناء الضخم الآن بالعقادين عند باب زويلة.
خلف المؤيد ابنه المظفر أحمد الذي كان طفلاً لم يبلغ العامين، فجاء الأمير ططر وصياً علي العرش. و لكنه استبد في حكمه و خلع الولد الصغير،  فدبرت أمه شمس مؤامرة لقتله،  فقتل سنة 1420 م / ذي الحجة 824 هج بعد أن أمضي ثلاثة أشهر في الحكم فقط.



أسرة قلاوون تعمر القاهرة بأجمل أبنيتها

السلطان المنصور سيف الدين أبو المعالي  قلاوون 1279-1290م
بعد وفاة بيبرس تولي السلطنة ابنه السعيد أبو المعالي و كان عمره 18 عاماً ، و لكن الأمراء المماليك تآمروا ضده و حاصروه في القلعة حتي أجبر علي التخلي عن السلطنة و غادر مصر إلي الكرك و مكث هناك حتي مات بعد سنة واحدة .
تولي السلطنة بعده  أخيه الأصغر سلامس ( أو سلامش) الذي كان يبلغ من العمر 7 سنوات ، فانتهز سيف الدين قلاوون قائد العسكر و الوصي علي السلطان الصغير هذه الفرصة و خلع السلطان الصغير و أصبح سلطاناً علي البلاد عام 1279 م.
يعتبر السلطان قلاوون هو المنشئ الثاني للدولة المملوكية و مؤسس أسرة مملوكية عريقة من المماليك البحرية ظلت تحكم مصر لمدة مائة عام إلي جانب الشام و الحجاز و اليمن.
و يعتبر قلاوون هو أعظم شخصية مملوكية حكمت مصر بعد بيبرس، فإليه يعزي الفضل في صد الهجمة الثانية للمغول علي المشرق الإسلامي، فقد خرج لملاقاتهم في حلب التي دخلوها عام 1280 / 679 هج و دمروا ما حولها من بساتين و قتلوا الكثير من أهلها، و عندما سمعوا بخروج قلاوون لهم فروا راجعين إلي بلادهم. و لكنه التقي بهم في حمص سنة 1282 م / 681 هج و هزمهم هزيمة منكرة.
كما من أهم إنجازات السلطان قلاوون هو طرد الصليبيين من أقوي معاقلهم في الشام فقد استولي علي اللاذقية عام 1287م ثم طرابلس عام 1289 م/ 688 هج .
استمر حكم المنصور قلاوون حتي وافته المنية و هو في السبعين من عمره في 5 ذي القعدة عام 679 هج في 10 نوفمبر 1290م ، و دفن في منطقة بين القصرين بالقاهرة،  و ترك ثلاثة أبناء اختار منهم الأشرف خليل ليخلفه في الحكم.
أعمال السلطان المنصور سيف الدين قلاوون
السلطان المنصور سيف الدين قلاوون هو واحد من أربعة سلاطين عظام زينوا القاهرة بمنشآتهم الضخمة و مبانيهم العظيمة التي لا تزال قائمة حتي اليوم تشهد بعظيم همتهم و قوة شكيمتهم و رفيع ذوقهم و هم صلاح الدين الأيوبي و الظاهر بيبرس و سيف الدين قلاوون و محمد بن قلاوون.
أهم ما أنشأه المنصور سيف الدين قلاوون في القاهرة و مازال موجوداً إلي الآن هو مارستان (مستشفي) و مدرسة و تربة، غلب عليها اسم مارستان قلاوون و تقع في شارع بين القصرين و يشغل مساحة كبيرة منه الآن مستشفي قلاوون للرمد.
مجمع قلاوون في شارع المعز
و تعود قصة إنشاء المارستان أن قلاوون مرض في إحدي غزواته في الشام فعولج بأدوية استحضرت له من مارستان نور الدين في دمشق،  فنذر قلاوون أن ينشئ مارستاناً في مصر مثل مارستان نور الدين لعلاج المرضي من جميع الأديان و الأجناس.
عهد قلاوون إلي علم الدين سنجر الشجاعي أن يشرف علي بنائه، فحشد خلقاً كثيراً من الأسري و الصناع و المماليك، و انجز البناء في عامين. و هم مدة قصيرة جداً علي عمل ضخم مثل هذا.
و يذكر شحاته عيسي في كتابه “القاهرة” أن المارستان كان مكوناً من اجنحة كثيرة، يختص كل جناح منها بعلاج مرض من الأمراض. و كانت توجد به غرفة للمطالعة و معامل كيميائية و صيدلية، و حمامات و مطبخ، بل و كانت توجد فرقة موسيقية تعزف لتخفيف آلام المرضي، و خمسون من القراء يرتلون القرأن الكريم. و فوق هذه و ذاك كان هناك مكتب لتعليم القراءة و الكتابة لعدد من أطفال المسلمين اليتامي.
السلطان الأشرف خليل بن قلاوون 1290-1293م
تولي الأشرف السلطنة بعد وفاة ابيه عام 1290 م و نجح في القضاء علي معارضيه في الداخل.
من أهم إنجازات الأشرف خليل بن قلاوون هو نجاحه في الاستيلاء علي أكبر معاقل الصليبيين في الشرق المسلم و هي إمارة عكا فقد خرج بجيش جرار من مصر و دمشق و طرابلس و حماه و حاصر الصليبيين في عكا لمدة عشرة أيام و ضربها بالمناجيق، و لقي مقاومة شديدة من فرسان الداوية و الاسبتارية حتي اقتحمها في مايو 1291 م. و بعد ذلك استولي بسهولة علي صور و صيدا و طرسوس في أغسطس سنة 1291م. و بذلك انتهي الوجود الصليبي في الشرق الذي امتد لمدة 200 عام.
جاءت نهاية هذا القائد العظيم علي يد نائبه، فقد وقعت فتنة بين السلطان الأشرف و نائبه الأمير بيدرا فقد عاتب السلطان بيدرا علي ممارسة السلب و النهب، فغضب بيدرا و أتفق مع بعض المماليك علي اغتياله. و تم ذلك في  عام 1293م . و لكن مماليك السلطان قبضوا علي بيدرا و قتلوه.
تولي الناصر محمد حكم مصر 1293- 1341م
تولي السلطان الناصر الحكم بعد وفاة اخيه سنة 1293 م ، و لكن حيكت ضده مؤامرات كثيرة من قادة الجند و عزل عن السلطة أكثر من مرة ، و لكنه استتب له الحكم بداية من سنة 1309 م / 709 هج و ظل يحكم بداية من هذه السنة 32 عاماً، و هي تعتبر أطول مدة حكم لأحد سلاطين مصر منذ سقوط الخلافة الفاطمية في مصر.
يعتبر عصر السلطان محمد ابن قلاوون من أزهي عصور الدولة المملوكية حيث ارتفعت منزلة الدولة بعد أن بسطت نفوذها علي الحجاز و اليمن . كما عقد معاهدات مع ملوك أوربا و آسيا، و أحدث تطويراً في نظام الحكم حيث زاد في وظائف الدواوين و حدد الاختصاصات .
كما يعد عهده من أزهي عصور العمارة المملوكية، و أهم ما أنشئ في عصر الناصر محمد بن قلاوون هي مدرسة بالنحاسين و المدرسة الجاولية بشارع مراسينا و خانقاه بيبرس الجاشنكير بالجمالية، و تربة حسن صدقة و مسجد الناصر محمد بالقلعة و سراي بشتاك بشارع بين القصرين و جامع المارداني بالدرب الأحمر.
أكمل الناصر محمد المدرسة سنة 1303 م / 703 هج، و عين بها مدرسين للمذاهب الأربعة، و ألحق بها مكتبة حافلة، و ألحق بها قبة نقل إليها رفات والدته. كما دفن بها ابنه أنوك. لم يتبق منها الآن إلا الإيوان الشرقي.، و يقول شحاته حسن إبراهيم في كتابه “القاهرة” أن الإيوان الشرقي به محراب جصي نادر المثال، و الإيوان الغربي به شباك من الجص غاية في الدقة.
أما مسجد الناصر في القلعة فقد أنشأه الناصر محمد سنة 1318 م / 718 هج. و أقامه علي النظام القديم من حيث الصحن المكشوف و تحيط به أربعة أواوين من أربعة جهات.
و في عهد الناصر محمد، أصاب مصر الجفاف عام 1295 م  نتيجة هبوط مستوي النيل  فجفت الترع و نفقت الدواب و الطير حتي أكل الناس الكلاب و القطط ، و ظهر الوباء فحصد ثلث السكان.
التصدي للمغول في الشام
زحف المغول بقيادة غازان علي مدن الشام ، و خرج لهم المنصور محمد بن قلاوون بجيش من المماليك و لكنه هزم في موقعة سلمية سنة 1299 م / 699 هج. .
و لكن المنصور محمد جهز جيشاً آخر و خرج به للدفاع عن مدينة حلب و تقابل مع جيش المغول في موقعة مرج راهط  عام 1302 م / 702 هج و كانت معركة طاحنة و انتصر المماليك هذا المرة و أسروا ثلث الجيش المغولي.
توفي السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 1341 م / 741 هج بعد أن حكم مصر 32 عاما ً متصلة .
بعد وفاة السلطان الناصر محمد بن قلاوون وقعت البلاد في اضطرابات سياسية شديدة أدت إلي تولي 4 سلاطين في أربعة أعوام من 1341 م إلي 1345 م، انتهي الأمر باغتيال اثنين منهم و عزل واحد و وفاة الرابع.
فقد خلف السلطان الناصر محمد بن قلاوون ابنه المنصور سيف الدين أبو بكر و لكنه لم يمض أكثر من ثلاثة أشهر حتي اغتاله المماليك المنافسين له سنة 1341 م / 742 هج.
ثم خلفه شقيقه الأشرف علاء الدين كجك ، ولكن ما لبث أن عزله المماليك ، و خلفه شقيقه الناصر شهاب الدين الذي دار صراع بينه و بين أخيه الصالح علاء الدين و انتهي الصراع بقتل شهاب الدين و تولي علاء الدين السلطنة، و لكنه لم يمكث وقتاً طويلاً فوقع مريضاً مرضاً شديداً و توفي في 1345 م / 746 هج.
تولي السلطان حسن بن الناصر محمد 1347-1361م
بعد وفاة الملك الصالح علاء الدين عام 1345 م ، خلفه شقيقه الكامل شعبان ، و لكن المماليك تآمروا ضده لقسوته و أغتالوه و ولوا من بعده شقيقه الأضغر المظفر حاجي ، و لكم المظفر حاجي لم يكن أحسن خلقاً فقد تسلط علي المماليك حتي قتلوه عام 1347 م.
مسجد السلطان حسن بالقلعة
تولي حسن بن الناصر محمد بن قلاوون حكم مصر بعد أخيه مظفر حاجي في ديسمبر 1347م و كان عمره وقتئذ 13 سنة ، فقام بالوصاية عليه الأمير شيخون العمري ، و لكن لم يمنعه ذلك من مزاولة الحكم بنفسه فاستبد و بالغ في أسباب الطمع و استولي علي أملاك بيت المال فأعتقل سنة 1351م و خلفه أخوه الصالح صلاح الدين صالح ، ولكنه أُعيد إلي الملك ثانيةً سنة 1354م و ظل متربعاً علي عرش السلطنة 6 سنوات حتي قتل عام 1361م / 762 هج.
و علي الرغم أن دولة المماليك كانت في احتضار، فإن عهد السلطان حسن شهد بناء مسجد السلطان حسن بالقلعة، الذي يعد من أبدع الآثار المعمارية الإسلامية في القاهرة، و هو أضخم مساجد مصر و أعلاها بنياناً و أكثرها فخامة و أحسنها شكلاً. و تبلغ مساحته 7906 مترا مربعاً و ارتفاعه عند بابه 37،7 متراً.
و لقد قال عنه جاستون فييت المدير السابق للمتحف الإسلامي بالقاهرة ” انه لأبدع آثار القاهرة ، و اكثرها تجانساً و تماسكاً و كمال وحدة و أجدرها بأن يقوم بجانب تلك الآثار المدهشة التي خلفتها مدنية الفراعنة”.
استمر العمل بالمسجد خمس سنوات من 1356م إلي 1361م.
في عهد السلطان حسن ظهر الطاعون في مصر و أهلك الآلاف من سكان مصر، و لقد ظهر الطاعون في وسط آسيا ثم انتقل إلي أوروبا و مصر و بلاد الشام عام 1348 م و وصل لذروته عامي 1348 و 1349 م  فكان يموت من سكان القاهرة عشرون ألف شخص يومياً حتي انتهي سنة 1450م.
اغتيال السلطان حسن و نهاية المماليك البحرية
بعد اغتيال السلطان حسن تولي بعده ابن شقيقه الملك المنصور محمد و استمر في الحكم حوالي سنتين  حتي خلعه المماليك و بايعوا الأشرف شعبان للحكم عام 764 هج الذي مكث في الحكم علي الرغم من الفتن و المؤامرات حتي قتله المماليك عام 1376 م / 778 هج.
خلف الأشرف شعبان ابنه المنصور علي الذي مكث حوالي خمس سنوات و مات بالطاعون عام 1381 م / 783 هج. فخلفه شقيقه السلطان الصالح أمير حاج و كان طفلاً صغيراً فخلعه المماليك و بايعوا برقوق و هو أول المماليك البرجية و مؤسس الدولة المملوكية الثانية.
علي الرغم أن كل الملوك الذين جاءوا بعد السلطان الناصر محمد بن قلاوون لم تكن لهم أهمية تذكر، إلا أنه وجب ذكرهم حتي يتبين لنا مدي التفسخ الذي أصاب الحياة السياسية في مصر علي يد السلاطين المماليك الضعفاء الذين خلفوا السلطان الناصر محمد بن قلاوون. هذا الضعف السياسي أثر علي كل جوانب الحياة في مصر في ذلك العصر فتوقفت الإنشاءات المعمارية و الفتوحات، و سيطر علي مصر الضعف السياسي  بسبب الصراع علي السلطة و الضعف الإقتصادي بسبب المجاعات و الأوبئة التي أجتاحت مصر في هذه الفترة أكثر من مرة.


الظاهر بيبرس مؤسس دولة المماليك 1260م


تولي بيبرس حكم مصر
أجمع الأمراء علي تولية بيبرس، صاحب الانتصارت الشهيرة علي المغول، حكم مصر. فتولي الحكم سنة 1260 م / 658 هج. و أثبتت أعماله و حروبه أنه المؤسس الحقيقي لدولة المماليك في مصر و الشام حيث بقي في الحكم 17 عاماً.
أراد بيبرس أن تستمد ولايته لمصر شرعيتها من الخلافة العباسية مثل كل الولايات السابقة الأيوبية ، فعمد إلي إحياء الخلافة العباسية التي كانت قد سقطت بدخول المغول بغداد و قتلهم الخليفة العباسي و كل فرد من أفراد السلالة العباسية إلا أمير واحد نجا من مذبحة العباسيين في بغداد و هو أحمد ابن الإمام الظاهر.
فاستقدمه بيبرس عام 1261 م و عقد بيبرس مجلساً من العلماء و القضاة و الأمراء و أقروا بصحة نسب الأمير إلي البيت العباسي و لقبوه بالخليفة المستنصر ، ثم بايعه بيبرس و باقي رجال الدولة ، و بعد ذلك قام الخليفة بمنح بيبرس تفويضاً بحكم مصر و الشام و الفرات.
و لكن الخليفة العباسي الجديد أثناء توجهه إلي بغداد ليتولي الخلافة وقع في يد دورية مغولية في الطريق فقتلوه و قطعوه إرباً.
حروب بيبرس ضد المغول و الصليبيين
مات هولاكو تاركاً المغول قبضتهم أكثر ضعفاً علي العراق. و حاول المغول الثأر من هزيمتهم في عين جالوت فأغاروا علي البيرة علي نهر الفرات ، و لكن جيوش بيبرس أجبرتهم عام 1265م علي الانسحاب، و استطاع جيش المماليك تطهير منطقة الفرات من الحامية المغولية إلا أن بغداد بقيت في قبضتهم.
أما الصليبيون فمازالوا يحتلون إمارات في الشام ، فعزم بيبرس علي طردهم من الشام و كان عام 1265 م هو بداية حروبه ضد الصليبيين حيث خرج علي جيش ضخم استولي به علي قيسارية و أرسوف كما استولي علي صفد عام 1266 م.
اكتسح بيبرس منطقة الجليل في فلسطين حتي الساحل ، و لم يكن مهادناً مثل صلاح الدين الأيوبي الذي كان يميل إلي الهدنة وأصدار العفو عن الأسري ، بل كان بطاشاً لا تأخذه رأفة بمن يقع في يده من الصليبيين و المغول، فكان يقتل الجنود و الحاميات و يبيع النساء و الأطفال كعبيد في الأسواق.
و في 1268 م أستولي علي أنطاكية، الإمارة الصليبية العتيدة.و قام بإحراق المدينة و سواها بالأرض و قتل كل حاميتها الصليبية و باع النساء و الأطفال الصليبيين في سوق الرقيق.
كما أرسل حملة بحرية ضد قبرص لـتأديب ملكها الذي دأب علي تجميع الصليبيين ضده ، و لكن الحملة فشلت. و غزا مملكة أرمينيا سنة 1275م، و أغار علي سلاجقة الروم الذين كانوا يعاونون المغول ضده و ألحق بهم هزيمة منكرة سنة 1277م.

أعمال بيبرس في مصر
إليه ينسب حي الظاهر في القاهرة نسبة إلي جامع الظاهر الذي شيده و يقع في ميدان الظاهر حالياً. و هذا الجامع من أعظم ما شيده الظاهر من مساجد في مصر. و لقد بدئ العمل في بنائه سنة 1266 م / 665 هج و تم بنائه سنة 1269 م. و لكن الفرنسيون أثناء الحملة الفرنسية قاموا بهدم المنارة التي تعلو الباب البحري، و سكنه بعض جنودهم، فتخرب كثير من أجزائه. و حوٌله محمد علي إلي مصنع للصابون. ثم استغله الإنجليز بمذبح في الحرب العالمية الأولي ، ثم استعادته اللجنة العربية لحفظ الآثار سنة 1918 و رممت بعض أجزائه.
كما شيد بيبرس قنطرة السباع علي الخليج المصري و نصب عليها سباعاً من الحجارة لأن شعاره كان علي شكل سبع، و كانت تعرف بقنطرة السيدة زينب.
كما شيد الكثير من المباني ،منها مدرسة أنشأها سنة 1261م بجوار تربة سيده الصالح نجم الدين أيوب بشارع بين القصرين ، و لكنها تهدمت الآن بسبب فتح شارع بيت القاضي.
مات بيبرس في يوليو 1277م 675 هج بالحمي أثناء حملة له في الشام و كان في الستين من عمره و دفن في دمشق.
حكم بيبرس مصر 18 عاماً، و كانت له فتوحات عظيمة علي المغول و الصليبيين حتي لقب بأبي الفتوحات.
و كما أن صلاح الدين كسر شوكة الصليبيين في أوج قوتهم ، كسر بيبرس شوكة المغول و أوقف تقدمهم و حمي مصر من الخراب الذي تعرضت له بلاد الفرات و الشام، و بذلك أمن لمصر مكانتها الثقافية و السياسية في العالم العربي.

صد المغول عن مصر في موقعة جالوت


موقعة عين جالوت
وحد قطز صفوف المماليك تحت إمرته و خرج بجيش مملوكي لقتال المغول و ولي مقدمة الجيش للمملوك بيبرس البندقداري ، وواصل زحفه إلي الشام في يوليو 1260 م
 أظهر قطز بعد نظر عندما هادن الصليبيين في عكا و طلب منهم الوقوف علي الحياد، ثم اتجه شرقاً عبر الجليل إلي الأردن و لجأ إلي خدعة غريبة فأخفي معظم جيشه بين الأشجار و الأحراش عند قرية عين جالوت بين بيسان و نابلس و ترك مقدمة الجيش بقيادته تتابع سيرها نحو الجيش المغولي.
 تقابل جيش قطز و الجيش المغولي بقيادة كتبغا عند قرية عين جالوت في سبتمبر 1260م/ 658 هج و هزم جيش قطز المغول هزيمة منكرة و قتل قائدهم كتبغا. و واصل قطز تقدمه و طرد المغول من الشام و ضمها لسلطانه.
و بذلك امنت مصر خطر المغول الذين لو دخلوها لحولوها إلي خرائب و لقضوا علي كل أثر للقاهرة.

مقتل سيف الدين قطز
صار بيبرس بطلاً شعبياً لدوره الكبير في هزيمة جيش المغول الذي لم يستطع أي جيش أن يوقفه ، و لما طالب بيبيرس بمكافأته وهي إمارة حلب لم يف قطز بوعده ، و صار بيبرس متخوفاً من خداع قطز له، فقرر التخلص منه.
 و في إحدي رحلات الصيد الاستكشافية في الطريق إلي مصر، انقض بيبرس علي قطز و قتله و كان ذلك في أواخر عام 1260م. كان بيبرس يدرك أن شعبيته بين الشعب ستطغي علي جريمته و أن دوره في هزيمة المغول سوف يؤكد العفو عنه، و كان محقاً في ذلك.


المغول علي أبواب مصر


سقوط الخلافة العباسية علي يد المغول
كانت بداية سقوط الخلافة العباسية علي يد جانكيز خان الذي هاجم الأقاليم المسلمة في بلاد خوارزم و استطاع عام 1219 م احتلال بخاري و سمرقند و بالكاه و حولها إلي خرائب.
و لكن موت جانكيز خان عام 1241 أعطي للخلافة العباسية فرصة للاستعداد، وهي فرصة لم يستغلها  الخليفة العباسي.
و صار حفيد جانكيز خان هولاكو أول قائد مغولي يحصل علي لقب خان و أعلن نفسه مستقلاً عن الخاقان الأعظم للشرق.
و في عام 1256 أرسل هولاكو إلي الخليفة العباسي المستعصم إنذاراً طالباً فيه تسليم بغداد و هدم كل دفاعاتها ثمناً لحياته.
وكانت الضرائب التي فرضها المغول علي الخليفة العباسية باهظة جداً مما دعا الخليفة إلي أن ينقص حامية بغداد من مائة ألف إلي عشرين ألفاً، و حاول أن يراوغ في الرد علي إنذار هولاكو . و لكن هولاكو أثبت له أنه لم يختر الشخصية المناسبة ليقوم معها بمثل هذه المراوغة، فقام بحصار بغداد في يناير 1258 م و صوب مدافعه لحائط المدينة. فتحقق الخليفة أن الخلافة ذاهبة لا محالة فارسل وزيره ليتفاوض مع هولاكو علي شروط تسليم المدينة. و لكن وزيره كان علوياً ناقماً علي الخليفة العباسي ، فانقلب خائناً لسيده و ساعد المغول علي دخول حي الكارخ في بغداد.
حاول المستعصم أن يخوف هولاكو من أن الله سوف يعاقب العالم إذا قتل الخليفة و أن الشمس ستكف عن إرسال ضوئها و لن يسقط المطر و سوف تتوقف الحياة . و لكن هولاكو لم يعر هذا الكلام إهتماماً و استغل خيانة وزير الخليفة العباسي له و أرسل للخليفة رسالة يتعهد فيها أنه إذا جاء الخليفة مع كل حاشيته و سلم نفسه بنفسه فسوف يعفو عنه هولاكو.
وقع الخليفة العباسي المذعور المستعصم بالله في هذه الخدعة و جاء بكل عائلته و حاشيته إلي خيمة هولاكو ،وعندما تجمعوا انقض عليهم المغول و ذبحوهم جميعاً و قتلوا كل من كان حياً من العباسيين حتي لا تقوم للخلافة قائمة بعدها.
و لأول مرة منذ وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم تنقطع الخلافة الإسلامية و تصير الأمة الإسلامية بلا خليفة.
اقتحم المغول بغداد في فبراير 1258 و تعرضت البلاد لسكر و عربدة و نهب و مذابح و تخريب أكثر مما تعرضت له بخاري. و ذبح الرعاع المغول أكثر من مليون من الشعب بما في ذلك النساء و الأطفال في مذابح استمرت 40 يوماً و كانت الرائحة الكريهة المنبعثة من الجثث المتحللة لا تطاق حتي أن هولاكو اضطر لسحب جيشه خارج المدينة مؤقتاً.
و أشعل المغول الحرائق في المكتبات و المدارس و ألقوا بالكتب في النهر حتي صنعت جسراً عبر عليه المغول بخيولهم  و اندثر جزء كبير من تراث الحضارة الإسلامية في الآداب و الفنون و العلوم.
و قرر شهود العيان أن جنود المغول صاروا بعد ذلك من أغني الأغنياء حتي أنهم ملأوا سروج خيولهم و بغالهم بالحجار الكريمة و حملوها خارج المدينة و حرقت قبور الخلفاء و سوي قصر الخليفة المستعصم بالأرض و كذلك المساجد الرئيسية و صارت خرائب.
و في 1259 م اكتسح المغول الشام و استولي هولاكو علي نصيبين و حران و الرها ، ثم اتجهت قواتهم إلي حلب و سقطت في يناير 1260م و قتلوا خمسين ألفاً و اسروا من تبقي فيها.
و سارت أخبار مذابح المغول في كل الشام مما دعي حاكم دمشق يوسف الأيوبي يفر و يترك دمشق تلقي مصيرها و تسقط في يد المغول السفاحين .
تولي سيف الدين قطز حكم مصر
كان المملوك قطز من أصل خوارزمي قائدا للعسكر في عهد عز الدين أيبك .و لما قُتل أيبك بمؤامرة من زوجته عين الأمراء علياً الصغير ابن عز الدين أيبك سلطاناً علي مصر و قطز قائداً للعسكر .
ولكن قطز الذي رأي سقوط الخلافة العباسية في بغداد علي يد المغول في فبراير 1258 م أدرك أنه لابد من أن يتولي الحكم ليستعد لملاقة جحافل المغول القادمة. فقام  بعزل الصبي الصغير علي بن عز الدين أيبك و جلس علي عرش السلطنة سنة 1259 م.
تولي قطز الحكم في فترة عصيبة حيث كان عليه صد خطر كبير يهدد ليس فقط الأمة الإسلامية بل الحضارة البشرية بأكملها.
لم يتأثر قطز بحرب الاعصاب التي شنها المغول بفظائعهم التي ارتكبوها في كل مدينة يدخلوها ، و تجلي ذلك عندما جاءته رسل هولاكو تطلب منه الاستسلام و تسليم مصر ، فما كان منه إلا أن أمر بضرب رؤوس رسل المغول و علق رؤوسهم علي باب زويلة