‏إظهار الرسائل ذات التسميات الملك فاروق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الملك فاروق. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، ٧ يناير ٢٠١٣

ثورة يوليو 1952م و عزل فاروق

كانت هزيمة فلسطين هي الصخرة التي تحطم عليها الكيان الملكي في نظر الجيش، فحينما عاد الضباط من الحرب مهزومين و مقهورين، تحولوا إلي خلايا نشطة ذات طابع تنظيمي، لأنهم رأوا أن فاروقا هو السبب وراء هزيمة العسكرية المصرية، سواء بالقيادات الفاشلة التي تجهل أساليب الحرب، أو بقلة الإمداد و التموين أو بالأسلحة و الذخيرة الفاسدة. و في خضم التنظيمات السرية التي تكونت في الجيش تكونت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار في سبتمبر 1949م برئاسة البكباشي جمال عبد الناصر. و كانت المنشورات هي سلاح التنظيمات ضد الملك. و حاول البوليس السياسي معرفة اسماء الضباط الذين يقفون وراء هذا التنظيم، و لكنهم لم يفلحوا .
و تمثلت المعركة الكبري بين الملك و قيادة الجيش الموالية له من ناحية و الضباط الأحرار من ناحية أخري في انتخابات نادي الضباط في أواخر عام 1951م. فكان مرشح الملك لرئاسة مجلس إدارة النادي حسين سري عامر صاحب السمعة السيئة و صاحب الاتهامات الخطيرة التي شملت تهريب المخدرات و بيع الأراضي بطرق غير مشروعة و سرقة و نهب البدو و الرشوة و التزوير و شراء الأسلحة الفاسدة و تهريب معدات البترول و الأسلحة لإسرائيل. أما مرشح الضباط الأحرار فكان محمد نجيب و هو صاحب السمعة الطيبة و البطولات في حرب فلسطين و المواقف الرافضة لتسلط الملك علي الجبش.
لما علم فاروق بالاتجاه  السائد رأي تأجيل الانتخابات التي كان مقرر إقامتها في 31 ديسمبر 1951م. و لكن الضباط لم يمتثلوا لرغبة الملك ، بل إنهم أيضاً استبعدوا مرشح الملك حسين سري عامر علي اعتبار أن سلاح الحدود الذي كان يرأسه لا يعد فرعاً في الجيش. و أقيمت الانتخابات و فاز محمد نجبيب برئاسة مجلس إدارة نادي الضباط،  كما فاز خمسة من الضباط الأحرار في عضوية المجلس.
و حدثت محاولة اغتيال حسين سري عامر في 8 يناير 1952 م اشترك فيها عبد الناصر و حسن ابراهيم و كمال الدين حسين و حسن التهامي. مما أثار فزع الملك فاروق و تحرك الحرس الحديدي للملك و قام باغتيال عبد الحميد طه في 25 مارس 1952 الساعد الأيمن لمصطفي كمال صدقي المتهم في محاولة اغتيال حسين سري عامر.
واصل فاروق عناده و رفض تعيين محمد نجيب وزيراً للحربية لتهدئة الأوضاع في الجيش و مهادنة الضباط الأحرار، بل إنه قام بحل مجلس إدارة نادي الضباط و منع دخول الضباط النادي القوة ، كما ظل يتحين الفرصة لتعيين حسين سري عامر وزيراً للحربية.
توصل البوليس السياسي لبعض أسماء أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار و أصبح فاروق علي وشك التخلص منهم و تعيين حسين سري عامر وزيراً للحربية ليسحق تمردهم، مما دعي التنظيم للتبكير بموعد القيام بالتحرك العسكري ليكون يوم 23 يولية 1952م.
حاول نجيب الهلالي تطهير القصر من حاشية الملك الفاسدة التي تكاد تطيح بعرشه، و لكن رجال الحاشية تآمروا ضده و قلبوا فاروق ضد رئيس وزرائه فاستقال في 28 يونيه 1952 بعد أن استمرت وزارته أربعة أشهر فقط.
تشكلت وزارة حسين سري في 2 يولية و لم تمض أكثر من 20 يوماً في الحكم و استقالت في 22 يولية ، و كلف الملك نجيب الهلالي مرة اخري بتشكيل الوزارة التي استمرت يوم واحد ثم تحرك ضباط الجيش صباح اليوم التالي للاستيلاء علي الحكم.
في مساء 22 يولية 1952 أقام الملك فاروق حفلاً ساهراً في قصر المنتزه بالأسكندرية احتفالاً باسماعيل شرين زوج اخته الذي تولي وزارة الحربية و البحرية. كان فاروق مطمئناً أن وزارة نجيب الهلالي ستعيد الاستقرار للبلاد، و أن اسماعيل شرين سيسحق تمرد الضباط في الجيش.
و في أثناء الحفلة دخل الشماشرجي محمد حسن ليبلغ الملك أن الضباط الأحرار استولوا علي مقر قيادة الجيش في القاهرة.
نجح الضباط الأحرار في دخول مقر قيادة الجيش في القاهرة في مساء يوم 22 يولية، و تولي الإخوان المسلمون مسئولية حماية الأماكن العامة و طرق القناة حيث تتمركز القوات البريطانية. و قامت كردونات الجيش الموالية للضباط الأحرار بمحاصرة قصر المنتزه حيث يتواجد الملك و لكنها لم تحاول دخوله.
بعد الاستيلاء علي مقر قيادة الجيش، كانت خطة الضباط تقضي بإذاعة بيان الضباط في الإذاعة المصرية صباح يوم 23 يولية. و عندما علم فاروق بأمر البيان أمر كريم ثابت بمنع إذاعة البيان و تفكيك المحطة في الحال، و لكن الضباط الأحرار كانوا أسرع  فهددوا القائمين علي المحطة بالسلاح، و بالفعل ألقي أنور السادات بيان الضباط في الإذاعة في السابعة و النصف صباحاً باسم محمد نجيب الذي أعلن نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة. لم يتعرض البيان للملك فاروق و إنما تحدث عن الرشوة و الفساد و عدم استقرار الحكم و هزيمة فلسطين و الخيانة، و بين دور الجيش و هدفه، و طالب بالتزام الهدوء و السكينة، و طمأن الأجانب علي أرواحهم و مصالحهم.
كان الضباط الأحرار يخشون من تدخل القوات البريطانية لصالح الملك كما حدث إبان الثورة العرابية عندما تدخلت بريطانيا لحماية الخديو توفيق ضد الجيش المصري بقيادة عرابي، و كما تدخلت القوات البريطانية في حادثة فبراير 1942م. لذلك عمد الضباط إلي توصيل الرسائل إلي القائم بالأعمال البريطاني و السفير الأمريكي تفيد بأن هذه حركة داخلية في الجيش تهدف إلي تطهير الجيش من الفساد، و أن الضباط يتعهدون بضمان أمن و سلامة الرعايا الأجانب.
و علي ذلك عندما انعقد مجلس الوزراء البريطاني لمناقشة الأمر أتُفق علي أنه ليس من مصلحة بريطانيا التدخل لصالح الملك فاروق ضد الجيش المصري بعد أن فقد الملك كل أهلية لقيادة البلاد، و أن بريطانيا لن تتحرك إلا في حالة انتماء حركة الضباط  الأحرار للشيوعية و للاتحاد السوفيتي.
وقع اختيار الضباط الأحرار علي علي ماهر ليكون رئيس الوزارء الجديد بدلاً من نجيب الهلالي، و ذلك ليعطي الأمان للملك و في نفس الوقت لعلاقته الطيبة بمحمد نجيب، و تولي علي ماهر توصيل مطالب الضباط للملك.
كانت مطالب الضباط للملك سطحية وفقاً للخطة لتعطي الأمان للملك حتي لا يفكر في طلب التدخل العسكري من القوات الإنجليزية لصالحه. كانت المطالب هي : تعيين محمد نجيب قائداً عاماً للقوات المسلحة بعد إعطائه السلطة لإحالة ستة و خمسين من كبار الضباط الذين اعتقلتهم الحركة للمعاش ، و حل الحرس الملكي، و فصل أفراد الحاشية بوللي و محمد حلمي حسين و محمد حسن و يوسف رشاد و حسن عاكف و كريم ثابت و أندرواس.
رفض الملك فاروق التخلي عن أفراد حاشيته السبعة و تمسك بهم إلي أقصي درجة و لكنه وافق في النهاية بعد ضغوط كثيرة من علي ماهر و أخته فوزية و زوجها اسماعيل شرين.
انتقل الضباط الأحرار بعد ذلك لتنفيذ المرحلة الأخيرة من خطتهم و هي عزل فاروق و تولية أحمد فؤاد تحت مجلس وصاية. و كان فاروق قد انتقل بأسرته و حاشيته إلي قصر رأس التين حيث وسائل الدفاع و التحصينات أفضل و حيث يرسو يخت المحروسة لمغادرة البلاد إن استدعي الأمر.
أحكم الضباط الأحرار سيطرتهم علي الاسكندرية و انتقل محمد نجيب مع ستة من الضباط إلي الأسكندرية مساء يوم 25 يولية لوضع خطة عزل فاروق و تنفيذها.
كان هناك اتجاهان لدي الضباط ، اتجاه لمحاكمة فاروق و الحكم باعدامه، و الاتجاه الآخر نفيه خارج البلاد.
و كان محمد نجيب و أنور السادات و يوسف صديق يعارضون استخدام العنف، و ارسلوا جمال سالم إلي القاهرة لاستطلاع رأي جمال عبد الناصر فرد عليهم ” ليذهب فاروق إلي المنفي، و يُترك للتاريخ الحكم عليه”.
و ما أن أشرقت شمس يوم 26 يولية، حتي كانت الأسكندرية قد تحولت إلي ثكنة عسكرية فحاصر الجيش القصور الملكية رأس التين و المنتزه في الاسكندرية و عابدين و القبة في القاهرة. و حلقت الطائرات العسكرية و صوبت المدافع تجاه رأس التين. و توجه محمد نجيب و أنور السادات و جمال سالم لعلي ماهر بإنذار الجيش للملك و الذي يقضي بتنازله عن العرش لابنه و مغادرة مصر قبل السادسة من مساء اليوم.
حمل علي ماهر الإنذار و ذهب لمقابلة الملك في رأس التين، و استطاع اقناع فاروق بالتخلي عن العرش مذكراً إياه أن الشعب لن ينحاز لصفه و أن المصلحة الشخصية في تولي أحمد فؤاد العرش تقضي بعدم المقاومة و الموافقة علي التنازل و الخروج من مصر.
طلب فاروق الخروج من مصر بحراً علي يخته المحروسة و اصطحاب زوجته وولي عهده و بناته، و طلب أن تحفظ كرامته في وثيقة التنازل، فوعده علي ماهر أن تكون مثل وثيقة تنازل ملك بلجيكا عن العرش، و تولي كتابة الوثيقة القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري.
انتقل سليمان حافظ المكلف بتوقيع وثيقة التنازل عن العرش إلي قصر رأس التين و سلمها للملك الذي قرأها أكثر من مرة و حاول التظاهر بالهدوء ، ثم قام بالتوقيع عليها.
ارتدي فاروق السترة البحرية و اعدت الحقائب التي بلغت مائة و خمسين حقيبة، و تهيأ الملك للرحيل. و حضر إلي القصر علي ماهر و كافري السفير الأمريكي و قاما بتوديع الملك الذي بدا عليه الحزن و التأثر.
غادر الملك قصر رأس التين و عزفت الموسيقي السلام الوطني، و حلقت أربع طائرات نفاثة مشاركة في التحية، و أطلقت المدفعية إحدي و عشرين طلقة، و أدي حرس الشرف التحية العسكرية، و صافح فاروق علي ماهر الذي لم فاضت عيناه بالدموع فهو الذي رافق الملك منذ قدومه من إيطاليا لتولي حكم مصر سنة 1936م. و ركب فاروق زورقاً بخارياً ليقله إلي يخته المحروسة الراسي في الميناء الخارجي.
حضر محمد نجيب متأخراً، و استقل زورقاً آخر إلي يخت المحروسة، و أدي التحية العسكرية للملك السابق. و كان بصحبته أحمد شوقي و جمال سالم و حسين الشافعي و إسماعيل فريد.
استمر اللقاء الصعب ثلث الساعة و قال الملك لمحمد نجيب أن مهمته صعبة للغاية لأنه ليس من السهل حكم مصر. و الطريف أن الملك لاحظ أن جمال سالم يحمل عصاه فأمره بإلقائها، و حين أظهر جمال سالم شيئاً من الامتعاض، أمره القائد الأعلي فانصاع.
رحلت المحروسة مع غروب شمس ذلك اليوم و رحل معها ملك مصر فاروق الأول و الأخير بعد أن استمر حكمه من 29 يولية 1937م إلي 26 يولية 1952 م أي قرابة 15 عاماً.



حريق القاهرة 1952م

كان من مصلحة بريطانيا أن يتولي الوفد رئاسة الوزراء، لأنه القادر علي التحكم في الحركة الوطنية بعد تدهور شعبية فاروق. أما فاروق فقد رأي أن يقوم بلعبة سياسية تحسب له بعد تدني مركزه، و ذلك بتخفيف حدة الهجوم علي الوفد و إبداء مرونة في دخول الوفد في وزارة قومية. و في نفس الوقت رأي الوفد أن من مصلحته الملاينة مع فاروق للوصول إلي الوزارة.
و من ثمار هذا التقارب دخول الوفد في وزارة حسين سري القومية التي استمرت حتي جرت الانتخابات في 3 يناير 1950م و فاز فيها الوفد بأغلبية ساحقة، و بذلك قام النحاس بتشكيل الوزارة الرابعة للوفد و الأخيرة لمصطفي النحاس.
و لكن هذه الوزارة النحاسية اختلفت عن سابقتها، فقد عمد مصطفي النحاس إلي سياسة المهاودة و المسالمة مع الملك، فكان ينفذ للملك كل مطالبه و يتغضي عن مفاسده و مفاسد حاشيته، و يعمل علي تلميع صورته في الإعلام. فلم يعد مصطفي النحاس هو المجاهد الكبير الذي يسعي لتحقيق حرية الوطن و استقلاله، و إنما أصبح رجل سياسي يتبادل المصالح و المنفعة مع الملك ليبقي في السلطة.
بدأت الحكومة في سلسلة من التنازلات المالية لصالح فاروق، فتم اعتماد مبلغ مليون و 132 ألف جنيه لاصلاح اليخت الملكي “المحروسة”، و هي الاعتمادات التي رفضتها الوزارات السابقة حتي الموالية للملك.  كما زيدت المخصصات الملكية، و أغمضت الحكومة عينها عن تسويف فاروق في دفع ضريبة الإيراد في وقت بلغ فيه عجز الميانية 16 مليون جنيه و أصبح غلاء المعيشة سيفاً مسلطاً علي رقبة الشعب.
و في نفس الوقت أراد الملك كبح جماح الصحافة التي راحت تنشر أخبار الأسرة المالكة و خاصة تصرفات أم الملك و أخته في الولايات المتحدة. فصدر قانون 120 لعام 1950م بحظر نشر أنباء العائلة المالكة إلا بإذن من وزير الداخلية. كما صدر قانون آخر يحظر نشر الأخبار العسكرية إلا بإذن من وزير الحربية و ذلك بعدما انتشر اللغو في مسألة الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين، و مع ذلك ازدادت الصحافة نقداً و هجوماً علي الملك.
و شكٌلت مسألة التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة حدثاً في التحكم و السيطرة الملكية، و ذلك بعد أن فجرها احسان عبد القدوس في مجلة روزليوسف و دلل عليها بوثائقه، و تورط الحاشية الملكية فيها. و هنا تدخل فاروق لعرقلة التحقيق و حوصر النائب العام المتولي للتحقيق ، و تدخل فؤاد سراج الدين من الوفد في أعمال النيابة لصالح الملك، و تم حفظ التحقيق، بل قام الملك بالانعام علي رجال حاشيته الذين وقعوا في دائرة الاتهام بالنياشين، فكان تصرفاً مستفزاً و مستهتراً بمشاعر الشعب الذي ضحي بابنائه في الحرب فماتوا ليس دفاعاً عن القضية و إنما نتيجة مفاسد الملك و حاشيته.
في ذلك الوقت كانت مصر تتعرض لظروف اقتصادية صعبة، أسهم فيها الملك و الحكومة معاً ، حيث جمعتهما صفقات علي حساب المصريين، فكان ذلك إذاناً بالانهيار و تحرك الشعب ضد النظام باكمله.
و علي الرغم أن وزارة النحاس أبدت تعاوناً كبيراً مع الملك في تصريف مصالحه، إلا أن الملك ما لبث أن مل منها و أراد التخلص منها و تحميلها وزر الظروف الإقتصادية المتردية.
و كانت وزارة النحاس تحس بدنو أجل إقالتها فعمدت إلي لعبة سياسية إنقاذا لشعبيتها،  فقامت بإلغاء معاهدة 1936م، و تم في ذلك في مساء 8 أكتوبر 1951م. و أقدمت الحكومة علي هذه الخطوة في ذلك التوقيت حتي تمنع الملك من إقالتها، لأن إقالتها في ذلك الوقت سيجعلها تبدو أمام المصريين شهيدة الوطنية.
و لكن الشعب كان يغلي كالبركان و يتحين فرصة الثورة، فقامت مظاهرات في 26 و 27 ديسمبر 1951 في القاهرة و الاسكندرية و عواصم المحافظات، و كان الطلبة العنصر الرئيسي فيها، و هتفت ضد بريطانيا و الملك و حافظ عفيفي الذي عينه فاروق رئيساً للديوان في 24 ديسمبر و كان معروفاً بميله للإنجليز.
و عندما ولد أحمد فؤاد في 16 يناير 1952م ،أقامت وزارة النحاس الاحتفالات و المجاملات، و كان هذا لا يتفق مع الأوضاع السيئة التي تمر بها البلاد.
اتسعت عمليات الفدائيين ضد القوات البريطانية في الإسماعيلية، و قامت القوات البريطانية بمهاجمة قرية صغيرة هي كفر أحمد عبده في الإسماعيلية و سوتها بالأرض لأن الأهالي رفضوا تسليم الفدائيين للقوات الإنجليزية. و تطور الأمر في يوم 25 يناير إلي معارك بين الجيش البريطاني و بلوكات النظام ( البوليس) الذي حاول حماية الأهالي، و ظهرت وحشية وضراوة الإنجليز و بطولة و تضحية البوليس المصري و سقط شهداء من البوليس المصري، فمثل هذا الحدث القشة التي قسمت ظهر البعير و جاء يوم 26 يناير يوم السبت الأسود ، يوم حريق القاهرة.
بدأت المأساة في الثانية من صباح ذلك اليوم، فتمرد عمال الطيران في مطار القاهرة تبعها تمرد بلوكات النظام، الذين زحفوا تجاه الجامعة و انجرف معهم الطلبة، و اتجهوا إلي مبني رئيس الوزراء مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا و إعلان الحرب عليها، فأجابهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الإجتماعية بأن الوفد يرغب في ذلك و لكن الملك يرفض، فقصد المتظاهرين قصر عابدين و انضم إليهم طلبة الأزهر و تجمعت حشود المتظاهرين الساخطين علي الملك و أعوانه و الإنجليز.
و ما أن انتصف اليوم حتي بدأت الشرارة الأولي للحريق من ميدان الأوبرا، و انتشرت النيران في فندق شبرد و نادي السيارات و بنك بركليز، و غيرها من الأماكن و الملاهي الليلية التي ارتبطت بارتياد فاروق لها و المؤسسات ذات العلاقة بالمصالح البريطانية و سادت الفوضي و أعمال السلب و النهب، و قتل اثنا عشر شخصاً ممن كانوا يتعاونون مع الاحتلال البريطاني.
و يختلف المؤرخون عن من يكون وراء الحرائق التي اشتعلت في القاهرة في ذلك اليوم، فهناك من يقول أن الملك فاروق كان وراءها ليتخلص من وزارة النحاس باشا، و هناك من يقول الإنجليز و ذلك للتخلص من وزارة النحاس التي ساءت علاقتها بهم بعد إلغاء معاهدة 1936م ، وهناك من يقول حزب مصر الفتاة و الإخوان المسلمين.
و الحقيقة أن الحدث كان كبيراً و حاول كل طرف أن يستغله لصالحه ضد الأطراف الأخري، و لكن الأيام التي تلت دلت علي أن الحدث كانت له نتائج فاقت كل التوقعات و عصفت بمصالح كل الأطراف لصالح ما يريده الشعب.
انتهز الملك فاروق لهذا الحدث الجلل و حمٌل وزارة النحاس مسئولية ما حدث و أقالها في يوم 27 يناير 1952 و أعلن الأحكام العرفية و كلف علي ماهر بتشكيل الوزارة.
أدرك علي ماهر بحسه السياسي و فطنته أن الأجواء الحالية تكاد تعصف بالملك وعرشه، لذلك عمد إلي محاولات إصلاح و تطهير القصر و الحكومة إنقاذاً للنظام كله، و لكن فاروقاً كان أقل حكمة من أن يستجيب لتلك المحاولات التي ربما كانت كفيلة بانقاذ عرشه، فسار فاروق وراء غروره و تسلطه و أقال وزارة علي ماهر في أول مارس، فلم تمكث أكثر من شهرين، و كلف نجيب الهلالي بتشكيل الوزارة الجديدة. و بذلك بدأ العد التنازلي لنهاية هذا العهد.



حرب فلسطين 1948م

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية زادت الهجرة اليهودية بصورة مكثفة لفلسطين بتشجيع من إنجلترا و الولايات المتحدة الأمريكية و رئيسها هاري ترومان نفسه، و ذلك لتغيير كثافة اليهود علي أرض فلسطين استعدادً لقرار التقسيم.
و بالفعل صدر قرار التقسيم من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947م، و يقضي بتقسيم أرض فلسطين إلي دولة عربية و دولة يهودية.
الحقيقة أن القيادة السياسية في مصر لم تكن علي وعي تام بما يجري علي الساحة الدولية، حتي أن الملك فاروق نفسه كان مندهشاً من حماسة الأمريكان و السوفيت لإقامة وطن قومي لليهود.
في نفس الوقت، كان الملك عبد الله يسعي إلي توسيع مملكته الجديدة في شرق نهر الأردن ، و من أجل هذا الهدف باع الملك عبد الله أرض فلسطين في اتفاق سري مع الإنجليز و الوكالة اليهودية يقضي بضم الضفة الغربية لنهر الأردن إلي مملكته في شرق الأردن، بدلاً من أن تقوم بها دولة فلسطينية ، و في المقابل تنسحب القوات الأردنية من الأراضي المخصصة للدولة اليهودية وفقاً لقرار التقسيم.

لم يكن الملك فاروق و لا الساسة المصريون علي علم بهذا الاتفاق، و إنما كانت تساورهم الشكوك في نوايا الملك عبد الله.
و كان الملك عبد الله يمني نفسه ألا تدخل مصر الحرب، و ذلك حتي يقود هو الفيلق العربي إلي الضفة الغربية لنهر الأردن و القدس و يضمها لمملكته في الشرق، و حتي لا تفسد مصر عليه اتفاقه السري مع الإنجليز و اليهود. و كان يعرف أنه إذا لم تدخل مصر الحرب، فإن السعودية و سوريا و العراق لن تدخلها. لذلك عمل الملك عبد الله علي الاتصال بالملك فاروق بالقنوات السياسية ليوصل له فكرة عدم جدوي دخول مصر بجيشها في الحرب، لأن النتائج محسومة لصالح اليهود و الإنجليز الذين يقفون ورائهم.
قبل حرب فلسطين بستة أشهر لم تكن القيادة السياسية في مصر قد خططت لما ستفعله عند إعلان نهاية الانتداب البريطاني في 14 مايو 1948، و كان أقصي ما قام به رئيس الوزراء النقراشي هو إقامة مركز قيادة عسكري في العريش فيه كتيبة مشاة معززة بمدافع هاون لمنع الاضطرابات التي قد تحدث في فلسطين أن تعبر إلي مصر.
كان إسماعيل صدقي و النقراشي يعارضان تدخل عسكري مصري في فلسطين علي اعتبار أن مصر عسكرياً ليست مستعدة. و كان رأي إسماعيل صدقي أن مصر ممكن أن تتعايش مع دولة يهودية علي حدودها الشرقية وفقاً لقرار التقسيم. أما الملك فاروق فكان يتنازعه آراء ساسته من ناحية و تشجيع السعودييين و العراقيين له لدخول الحرب من ناحية أخري، و كذلك رغبته في إثبات قيادة مصر للعالم العربي و قيادته هو شخصياً للأمة العربية و ما يترتب علي ذلك من مسئوليات.
و لكن قبل انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين باسبوعين، حدث تغير كبير في الموقف المصري، و أصبح الملك فاروق و رئيس وزرائه النقراشي من المؤيدين لدخول جيش مصر الحرب. حدث هذا التغير كنتيجة لما لمسه النقراشي من رضا الإنجليز و موافقتهم علي دخول جيش مصر الحرب. كان الإنجليز يريدون أن تكون هناك مقاومة عربية إلي حد ما حتي لا يتحول انسحاب الإنجليز من فلسطين إلي قيام اليهود بمذابح و حمامات دم لعرب فلسطين.
و بالفعل عرض النقراشي المسألة علي مجلس النواب في جلسة سرية مساء يوم 12 مايو 1948م أي قبل إعلان انتهاء الانتداب بيومين،  ووافق المجلس علي دخول الحرب.

أما علي الجانب اليهودي، فقد كانت الوكالة اليهودية تمثل القيادة السياسية اليهودية و يرأسها ديفيد بن جوريون، و القوة العسكرية متمثلة في الهاجانا و هو جيش الدفاع، بالإضافة إلي جماعات أخري متطرفة مثل جماعتي أرجون و شتيرن الإرهابيتين.
كانت أهداف اليهود واضحة، و شرعوا في تنفيذها منذ بدأ الهجرة اليهودية لفلسطين، و سابقوا الوقت في تغيير معالم الواقع لصالحهم بعد صدور قرار التقسيم من الأمم المتحدة. أما الهدف الرئيسي فتمثل في مقولة بن جوريون ” لاحظوا أن خطوط التقسيم (يقصد تقسيم الأمم المتحدة) هي البداية و ليست النهاية”.
أما استراتيجية التنفيذ لليهود علي الأرض فكانت تتلخص في ثلاث نقاط:
أولاً: تأمين احتلال و السيطرة علي الأراضي المخصصة للدولة اليهودية وفقاً لقرار التقسيم سواء بالتعاون مع الإنجليز أو بالعمل المسلح ضدهم، و هو ما حدث في احتلال يافا و حيفا مباشرةً بعد انسحاب القوات البريطانية منها.
ثانياً: السيطرة علي كل التلال و المواقع المرتفعة الكاشفة لما حولها، و كل مفارق الطرق المهمة، و كذلك المناطق القريبة من حدود الدول العربية المجاورة، دون النظر إلي كون هذه المناطق تخضع للجزء اليهودي أو العربي، و ذلك لتطويق ميدان الصراع و التحكم فيه.
ثالثاً: العمل بكل الوسائل علي دفع أكبر عدد ممكن من السكان العرب إلي الهرب من أراضيهم و بيوتهم و مزارعهم. فكانت مذبحة دير ياسين الذي كان هدفها الأساسي زرع الرعب في قلوب العرب ليهربوا بأنفسهم و أولادهم من المذابح التي تنتظرهم. و لقد ورد في مذكرات اسحاق رابين الذي كان في ذلك الوقت ماجور في الهاجاناه أنه قام وحده بطرد ما بين خمسين و ستين ألفاً من العرب من بيوتهم و قراهم في المنطقة الواقعة بين اللد و الرملة.
اقترب موعد انتهاء الانتداب البريطاني علي فلسطين، و اتفقت الدول العربية علي أن يتولي الملك عبد الله مركز القائد الأعلي للجيوش العربية في فلسطين، و تولي المصري  اللواء محمد أحمد المواوي القيادة العامة للقوات العربية، بالإضافة إلي قوة خفيفة من المتطوعين يقودها البكباشي أحمد عبد العزيز تعمل علي المحور الشرقي من خط العوجة إلي بير سبع إلي الخليل و بيت لحم.
كانت الجيوش العربية تتكون من الفيلق العربي الأردني و الجيش المصري و فرق من العراق و سوريا و متطوعين ليبيين و مصريين.
و في مساء يوم 13 مايو  1948م  عبرت أول كتيبة للجيش المصري كوبري الفردان عند قناة السويس متجهة إلي فلسطين.
و لقد كان دخول الجيش المصري إلي فلسطين علي ثلاث محاور رئيسية : محور الطريق الساحلي من خان يونس إلي مستعمرة نتسانيم شمال غزة ، و محور العوجة إلي بيت لحم ثم الخليل و تعمل عليه قوات المتطوعين بقيادة أحمد عبد العزيز، و محور شمال النقب الممتد عرضاً من الخليل إلي الفالوجاً و عراق المنشية و المجدل علي ساحل البحر المتوسط.
و لم تكن هذه المحاور متصلة ببعضها، لذلك كانت الطرق الفاصلة بينها الأكثر خطراً، لأن استيلاء العدو علي هذه الفواصل يعني فصل محاور الجيش المصري عن بعضه ، و تحويل كل محور إلي جيب شبه محاصر. و هو ما حدث بالفعل بعد ذلك في حصار قوات الجيش في الفالوجا.
بدأت العمليات يوم 14 مايو 1948م ، و بدأ هجوم الجبش المصري علي المستعمرات اليهودية في منطقة غزة، و قامت بطائراته بالإغارة علي تل أبيب فضربت محطات توليد الطاقة و المطار العسكري. و في يوم 15 مايو، وصلت طلائع القوات المصرية مدينة غزة.
و في 20 مايو اقتحمت القوات المصرية مستعمرة دير سنيد الاستراتيجية لليهود علي الطريق من غزة إلي تل أبيب بعد قتال استمر عشر ساعات، فقد كانت المستعمرة محصنة تحصيناً شديداً “علي أحدث فنون الهندسة العسكرية” كما جاء في إشارة قائد القوات المصرية إلي عثمان باشا المهدي رئيس أركان حرب. و استمرت المعارك داخل المستعمرة حتي حسمها الجيش المصري لصالحه و رفع العلم المصري علي المستعمرة يوم 24 مايو.
كان أداء الجيش المصري في بداية الحرب جيداًً، و عند بدء سريان الهدنة الأولي في 11 يونيو 1948 ، كان الجيش المصري قد استولي علي خان يونس و دير البلح و غزة و بييت حانون و بير سبع و دير سانيد و الخليل و بيت لحم و المجدل و أسدود و الفالوجا و عراق المنشية و بيت جبرين و نيتسانيم و عجور و عرطوف. و الحقيقة أن كل هذه المدن كانت تتبع الأراضي المخصصة الدولة الفلسطينية وفقاً لقرار التقسيم. لذلك لم يبد اليهود مقاومة عنيفة إلا في دير سانيد.
أما علي الجانب الأردني ( الفيلق العربي)، فقد استولي الفيلق علي القدس القديمة يوم 21 مايو، كما حاصر الحي اليهودي (القدس الغربية) و سقط منها الجامعة العبرية و مستشفي هداسا.
و الحقيقة التي تكشفت بعد ذلك هو أنه كان هناك اتفاق مسبق بين قيادة الجيش الأردني بقيادة جلوب باشا الإنجليزي و جيش هاجاناه اليهودي علي ما هو مخصص لكل منهم وفقاً لخطة التقسيم، فلا يعتدي أي منهم علي مواقع الآخر.
و بعد سريان الهدنة الأولي في 11 يونيو 1948، تدفقت الإمدادات علي اليهود من الخارج، و بدأوا في تعزيز مواقعهم، و لم يتوقفوا عن خرق الهدنة بالهجوم علي مواقع الجيوش العربية و الاستيلاء علي الأراضي و طرد الأهالي من قراهم.
و فوق ذلك كله، بدأت الجبهة العربية في التصدع نتيجة انسحاب القوات الأردنية من المواقع التي تحتلها لتفسح المجال للقوات اليهودية لتحقيق المزيد من المكاسب علي الأرض.
يقول حسنين هيكل في كتابه ” العروش و الجيوش 1″ أن ديفيد بن جوريون أصدر تعليمات إلي رئاسة أركان جيش الهاجاناه بضرورة احتلال مثلث جنين طولكرم لاترون، و لتحقيق ذلك فإن عليها أن تبدأ بإزاحة القوات الأردنية و العراقية من اللد و الرملة ( و كلها مناطق مخصصة للعرب بمقتضي قرار التقسيم).
و كان ذلك يواجه الجنرال “جلوب”- قائد الفيلق العربي الأردني- بمعضلة لأن هذه المناطق واقعة ضمن ما هو مخصص للعرب بمقتضي قرار التقسيم. و لكنه في نفس الوقت لديه أوامر واضحة من الإنجليز بعدم مهاجمة قوات اليهود. فأرسل جلوب إلي الملك عبد الله ليعاونه في هذه المسألة.
فقرر الملك عبد الله أن يفسح لليهود لتحقيق أغراضهم.  و لكي يفعل ذلك دون أن يثير الشكوك، أرسل إلي قادة الدول العربية يطلب منهم المدد العسكري بدعوي أن القوات الأردنية المدافعة عن اللد و الرملة ليس لديها ذخيرة كافية للدفاع عن المنطقة ، و هي تتعرض لضغوط القوات اليهودية. و كان الملك عبد الله يعلم أن القوات العراقية و المصرية ليس لديها ما يكفيها هي أصلاً،  و بالتالي لن تستطيع أن ترسل ذخيرة إضافية للقوات الأردنية.
و بالفعل انسحبت القوات الأردنية من اللد و الرملة، و بدأت القوات اليهودية دخول المناطق المخصصة للعرب وفقاً لقرار التقسيم بدون قتال، و هو ما تكرر بعد ذلك في الجليل الأعلي و في النقب حتي شاطئ خليج العقبة.
و ليس أدل علي هذا التصدع الذي حدث في الجبهة العربية من الإشارة التي وردت في يوميات الحرب لحسنين هيكل ، و جاءت كالتالي:
18 يوليه 1948
الساعة 2400
من: إدارة المخابرات الحربية
إلي: الجيش بالنيابة
إدارة المخابرات الحربية      سري جداً
رسالة شفرية 2300 يوم 18/7/ 1948
وصلتنا المعلومات التالية من مندوبنا بعمان و أصبح شعور الأهالي تجاه الجيش الأردني غير مرض، تكررت حوادث إطلاق النار علي الإنجليز الضباط. بدأ الانقسام يدب بين الضباط و الجنود الأردنيين تجاه القادة الإنجليز. تكررت حوادث تعدي جنود العراق علي الأردني لعدم قيام الأردني بواجبه تماما.
و الحقيقة أن هذه الإشارة تشير إلي تقاعص الجيش الأردني في الحرب، كما تشير أيضاً إلي عدم رضاء الجنود و الضباط الأردنيين عن الأوامر التي تصدر لهم من قيادتهم العليا التي تأتمر بأمر الإنجليز.
ثم تجددت الهدنة في 18 يوليو 1948، لكن اتفاقيات الهدنة كانت بالنسبة للإسرائيليين حبر علي ورق، أما الجيوش العربية فقد ظلت حائرة لا تدري كيف ترد علي خروقات الجانب اليهودي، فاكتفت برصد الخروقات و ارسالها إلي مراقب الهدنة من الأمم المتحدة. و نورد مثال علي ذلك ما اورده حسنين هيكل من يوميات الحرب في كتابه ( العروش و الجيوش 1)  في يوم 20 يوليه 1948:
الساعة 1615
من: هيئة المستشارين
إلي: العمليات الحربية – الجامعة العربية
201600- 201/20
ع ح 1 من القيادة العراقية. يهاجم العدو القري المنعزلة جنوب حيفا. جبح و اكزم و عين غزال. فرصة الهدنة تساعده علي القضاء علي مقاومتها. سكانها 30 ألف عدا اللاجئين. نرجو إخطار الجامعة و لجنة الهدنة و الصليب الأحمر لمنع الاعتداء…أفد.
و مع تصاعد الخروقات اليهودية، بدأ اليهود في شن غارات جوية علي مدن القاهرة و عمان و دمشق، و ذلك للتأثير سلباً علي معنويات الشعوب العربية، و القيادات السياسية، حتي أن الطائرات الإسرائيلية حلقت فوق قصري عابدين و القبة يوم 18 أكتوبر.
و بسبب الخسائر التي منيت بها القوات المصرية، جري تغيير القائد العام للقوات ليصبح اللواء أحمد فؤاد صادق بدلاً من اللواء المواوي. و بعد استشهاد أحمد عبد العزيز، تولي قيادة المتطوعين القائمقام عبد الجواد طباله.
و عندما بدأت القوات الأردنية في تنفيذ مخططها بضم الضفة الغربية للأردن، بدأت المشاحنات بين القوات الأردنية و الأهالي الفلسطينيين. و منها ما ورد في يوميات الحرب في ( العروش و الجيوش 1) لهيكل، في يوم 31 أغسطس 1948
الساعة 2045
من: رئاسة القوات
إلي: راح
الآتي بعد تبلغ لنا من بيت لحم
” مرت بنا ست لوريات محملة بالجنود و ثماني مصفحات تابعين للجيش الأردني متجهين للخليل. و الأهالي ثائرين ضد الأردنيين”.
و الحقيقة أن القوات المصرية كانت من الفروسية أو السذاجة أن وثقت في القوات الأردنية علي الرغم كل الإشارات التي تنبئ بعدم جدية الموقف الأردني في الحرب.
و إذا أردنا استجلاء الحقيقة عن أسباب هزيمة مصر في حرب 1948م، يتضح لنا أنه كان هناك أسباب سياسية مهدت لهذه الهزيمة و أسباب أخري عسكرية علي أرض المعارك.
أما الأسباب السياسية فهي:
أولاً: مساندة إنجلترا و الولايات المتحدة و فرنسا لليهود في الحصول علي دولة خاصة بهم علي أرض فلسطين. هذه المساندة تمثلت في تشجيع هجرة اليهود بأعداد ضخمة لفلسطين، و إمدادهم بالأسلحة و الذخيرة ، و منعها عن الجانب المصري، و تدريب اليهود علي الفنون العسكرية.
و علي الرغم أن إنجلترا وافقت علي دخول الدول العربية الحرب بجيوشها، إلا أنها كانت تعلم تمام العلم أن القوات العربية بتسليحها و قدرتها لن تستطيع أن تحقق نصراً علي قوات اليهود التي تفوقها عدداً و تسليحاً و قدرات عسكرية. كما انها مارست ضغطاً كبيراً علي حكومات الدول العربية لكي تضمن قيام دولة يهودية في الأرضي التي خصصت لها بموجب قرار التقسيم.
ثانياً: غياب استراتيجية واضحة لدي القيادة السياسية في مصر التي لم يكن لديها الدراسات السياسية و العسكرية و التاريخية عن فلسطين و خطورة المخطط الصهيوني، و طبيعة و اسباب و ابعاد المساندة الغربية لقيام هذه الكيان فوق أرض عربية. كما لم يكن لديها مخابرات بالمعني الاحترافي، بحيث تكون قادرة علي معرفة ابعاد المخطط الإنجليزي  اليهودي، و تواطؤ الملك عبد الله في هذا المخطط.
ثالثاً: دخول الملك عبد الله في اتفاق سري مع  الإنجليز و الوكالة اليهودية ، و هو ما أحدث تصدع في الجبهة العربية، لأن الأردن كانت هي الدولة المعنية الأولي بموضوع فلسطين، و لكنها في نفس الوقت هي الدولة التي قرر ملكها ألا يدافع عن فلسطين و ألا يسمح حتي بقيام دولة فلسطينية لها حدود مع دولته، و إنما قرر أن يلتهم الأرض الفلسطينة لتكون ضمن حدود مملكته. كما أن قيادات الجيش الإردني ( الفيلق العربي) كانت كلها من الضباط الإنجليز. مما يعني أن الفيلق العربي كان يأتمر بأمر الإنجليز و ليس بأمر لقيادة العربية.
أما علي أرض المعارك، فكانت أسباب الهزيمة كالتالي:
  1. فارق الخبرة العسكرية و العدد و العدة بين الجيش المصري و جيش الهاجاناه اليهودي، فلم تكن لدي قيادة الجيش المصري سابق خبرة في قيادة أي معارك حربية، لأن الخطط الحربية ليست معلومات مكتوبة في الكتب و إنما تجارب و ممارسات  علي أرض الواقع. فآخر الحروب التي خاضها الجيش المصري كانت بقيادة إبراهيم باشا في الشام سنة 1839م. و منذ ذلك الحين لم يشارك الجيش المصري في أي معارك حربية. أما جيش الهاجاناه اليهودي فقد شارك جنوده و ضباطه في الفيلق اليهودي في الحرب العالمية الأولي ثم في الحرب العلمية الثانية، و أعطيت له مهام عسكرية في الحرب العالمية الثانية مثل طرد حكومة فيشي من سوريا. فأكتسب اليهود خبرات كبيرة في هذه الحروب متعددة الجبهات. و من حيث العدد و العدة نقل حسنين هيكل في كتابه ( العروش و الجيوش 1) عن اللواء حسن البدري، المؤرخ العسكري للجيش المصري، أن القوات الإسرائيلية كانت تفوق القوات المصرية في العدد بنسبة 1:2. و بلغت نسبة تفوق القوات الإسرائيلية علي المصرية في المعدات و الذخائر من حيث الكم و الكيف نسبة 1:3،5
  1. قيام القوات الأردنية بالانسحاب من مواقعها بأوامر من قيادتها السياسية المتواطئة مع الإنجليز و اليهود ضد العرب. فأدت بانسحابها خسارة أراضي واسعة كانت مخصصة للدولة العربية وفقاً لتقسيم فلسطين، و هي الجليل الأعلي و صحراب النقب. كما أن الانسحابات الأردنية أدت إلي كشف المواقع المصرية و محاصرتها من قبل قوات العدو كما حدث في الفالوجا.
  1. كان الإنجليز يتحكمون في توريد الأسلحة للجيش المصري، و عندما بلغ تقدم الجيش المصري في فلسطين مبلغاً مقلقاً بالنسبة لهم، رفضوا طلبات مصر بتوريد الأسلحة و الذخيرة، و بدأ الجيش في الجبهة يعاني من نقص شديد في الأسلحة و الذخيرة.
  1. فرق المقاومة الفلسطينية المساندة للجيش المصري كانت أضعف من التصدي للهاجانا، و كانت تتمثل في قوات الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني و قوات الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، فانكسرت بسرعة أمام اليهود لأنها كانت أقل تنظيماً و خبرة و تسليحاً، و الحقيقة أن هذه الفرق كانت تقاتل بشجاعة الرجال و فقط، و لم يتوفر لها أي اساليب أخري.
  1. استخدام الجيش المصري لأسلحة فاسدة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، فقيادة الجيش المصري اعتمدت علي سماسرة السلاح لشراء أسلحة  الجيش، و أصر الملك علي شراء الأسلحة من إيطاليا التي كانت تربطه بها علاقات قوية، و كانت النتيجة أن الأسلحة جاءت من مخلفات الحرب العالمية الثانية في مخازن الجيش الإيطالي، فكان بعضها فاسد و أدي إلي إصابات في صفوف الجيش المصري.
و من المهم أن نورد رأي الحاج أمين الحسيني في الاداء العربي في الحرب، و الذي ارسله لحسنين هيكل، و ذكره الأخير في كتابه ( العروش و الجيوش 1) : ” أن بعض المسئولين في الدول العربية الذين كانت في أيديهم مقاليد الأمور، لم يكونوا جادين و لا مصممين في مواجهة هذه المشكلة و لم يعالجوها بما تتطلبه خطورتها من الحزم و الاهتمام، بل كانوا هازلين، خائرين، مترددين، بينما كان اليهود جادين كل الجد”
و نقطة أخري مهمة أوردها الحاج أمين في شهادته هي ” أنه بينما كان اليهود يعملون بقوة و تصميم بوحي من مصالحهم العامة و تنفيذاً لبرنامجهم الصهيوني الخطير، كان بعض المسئولين في بعض الدول العربية يعملون إما بوحي الاستعمار الأجنبي أو بتأثير مصالحهم الخاصة . و قد نتج عن تضارب الأهواء و المصالح، و تباين الغايات و الأهداف و التخاذل بين دول الجامعة، وقوع هذه الكارثة الأليمة. ”
و مما لا شك فيه أن ملف هزيمة حرب فلسطين ما زال مفتوحاً، و سيظل كذلك لمدة غير قصيرة، حتي نستلهم منه الدروس الكافية و الكفيلة بعدم تكراره.
و الحقيقة أن الدرس الكبير من ملف حرب فلسطين و من بعده ملف حرب 1967م هو مقدار الهزل و الاستهتار الكبير الذي نوليه في موضوعات لا تحتمل أدني أشكال الهزل أو الاستخفاف، و متي ندرك الفرق بين أن نبحث عن مصالحنا الشخصية في إطار مصلحة الوطن، و بين أن نخرج بمصالحنا عن كل الخطوط الحمراء من أجل تحقيقها حتي لو أدي ذلك ليس فقط إلي ضياع مصلحة الوطن، و إنما إلي ضياع الوطن نفسه.



حل الإخوان المسلمين و اغتيال النقراشي و حسن البنا 1948م

لعب فاروق بكارت الإخوان لمدة طويلة، فهم أصحاب الوجود القوي علي الساحة و المضاد لحزب الوفد،  فاستخدمهم الملك لمناوءة تيار الوفد في البلاد و خاصةً في الجامعة. و لكن الموقف البريطاني كان متشدداً ضدهم، مما كان له الأثر في جعل فاروق ينقلب عليهم، و بناءً علي توجيهاته تم حل الجماعة في 8 ديسمبر 1948م، مما جعل الجماعة تخطط و تنفذ عملية اغتيال النقراشي باشا.
شكل إبراهيم عبد الهادي الوزارة في 28 ديسمبر 1948م، و استخدم القسوة في قمع الاضطاربات سواء من اليمين أو اليسار، و رد القصر علي اغتيال النقراشي باغتيال حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين.
و انتهي الأمر باستقالة إبراهيم عبد الهادي في 25 يولية 1949م. ثم شكل حسين سري وزارة قومية جمعت كل الأحزاب ما عدا حزب الكتلة حتي جرت الانتخابات في يناير 1950م.



وزارة النقراشي و حادثة كوبري عباس 1945-1946م



بعد اغتيال أحمد ماهر، كلف الملك محمود النقراشي باشا بتشكيل الوزارة في 24 فبراير 1945م،
بدأت تظهر بوادر تناقص شعبية فاروق، فقد تسببت الحرب العالمية في تغييرات اجتماعية و اقتصادية في الشعب المصري اخرجته عن وداعته و حلمه و تفاؤله و ألقت به في أزمات خانقة جعلته أكثر تشاؤماً و واقعية، لذلك لم تفلح معه حملات الملك الدعائية التقليدية.
و بعد تولي النقراشي الوزارة أعاد فتح باب المفاوضات مرة أخري مع بريطانيا حول الجلاء و حاول إحياء اتفاق صدقي-بيفن الذي أفشلته المظاهرات الشعبية و استقالة صدقي، فتقدمت حكومته في 20 ديسمبر 1945 م بمذكرة للسفير البريطاني بطلب بدء المفاوضات حول الجلاء. و كان الشعب المصري تحدوه آمال عريضة في قرب الاستقلال بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية و تأسست الأمم المتحدة التي أخذت تلعب دوراً مناصراً للشعوب في تقربر مصيرها.

و لكن الرد البريطاني في 26 يناير 1946  عاد وأكد علي الثوابت الرئيسية التي قامت عليها معاهدة 1936م و التي أعطت مصر استقلالاُ منقوصاً يتمثل في بقاء قوات بريطانية في مصر لتأمين قناة السويس، فكان الرد البريطاني بمثابة صفعة لكل آمال الشعب المصري، فاندلعت المظاهرات العارمة للطلبة في كل أنحاء مصر تطالب بالجلاء و قطع المفاوضات.

و في يوم 9 فبراير 1946م خرج الطلبة في مظاهرة من جامعة فؤاد الأول (القاهرة) إلي قصر عابدين و سلكوا طريق كوبري عباس، و تصدي لهم البوليس و حاصرهم فوق الكوبري و تم فتح الكوبري أثناء محاصرة الطلبة، فسقط العديد من الطلبة من فوق الكوبري في النيل.

أطلق البعض علي هذا الحدث مذبحة كوبري عباس. و الحقيقة أن المؤرخين اختلفوا في المتهم الأول في هذه الحادث الأليم، كما اختلفوا في ضخامة الحدث نفسه. فالكثير ألقي بالتبعة علي رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي الذي كان رئيساً للوزراء و كان يتولي وزارة الداخلية أيضاً في تلك الوزراة، فاتخذ إجراءات قمعية ضد مظاهرات الطلبة و أطلق يد البوليس في استخدام العنف ضدهم.
و البعض الآخر يتهم  حكمداري القاهرة راسل باشا و الجيزة فيتز باتريك باشا، لأنهما المسؤلا عن قمع مظاهرات الطلبة باستخدام اساليب غاية في القسوة.
و اختلف المؤرخون أيضاً حول ضخامة الحادث، فالبعض يقول أن مئات الطلبة قد أصيبوا إصابات بالغة، و البعض الآخر يقول أن الإصابات لم تتعدي 89 من الطلبة و الأهالي و 15 من البوليس. و يكاد يكون هناك إجماع علي عدم وجود خسائر في الأرواح نتجت عن الحادث إلا حالة واحدة لطالب في كلية التجارة سقط تحت عجلات سيارة نقل في مكان الحادث.
و يري البعض أن الحادث يقع في نطاق المصادمات العادية و المتكررة التي حدثت بين البوليس و بين الطلبة و العمال في تلك الفترة التي كانت تموج بالمظاهرات الشعبية. بينما يري البعض الآخر أن الحادث كان مذبحة لم تشهد مصر مثلها في تاريخها الحديث. و بين إنكار البعض و مبالغة البعض الآخر لم تزل الحقيقة غائبة.
هذا الحادث لم يمنع الملك فاروق من منح نيشان محمد علي لرئيس الوزراء النقراشي باشا مما دل علي استهتار الملك بمشاعر الناس و لامبالاه إزاء ارواح شهداء الطلبة التي راحت في هذا الحادث.
و بدأت تتزايد مظاهرات الطلبة ضد الملك و خاصة في احتفالات عيد ميلاده. و لم يدرك فاروق تغير المزاج العام، و إنما حمٌل الوزارة مسئولية الاضطرابات، فقام بتغيير وزارة النقراشي و تشكيل وزارة جديدة برئاسة اسماعيل صدقي في 16 فبراير 1946م، وهو المتمرس في قمع الحركات الوطنية.

وزارة أحمد ماهر و اغتياله 1944-1945م

بعد إقالة وزارة النحاس، كلف الملك فاروق أحمد ماهر بتشكيل الوزارة في 8 أكتوبر 1944، و كانت وزارة موالية للملك. ولكن ذلك لم يمنع الملك من إهانة حكومته و الاستهتار بها كلما سنحت له الفرصة، و من ذلك اقدامه علي السفر إلي السعودية و الالتقاء بالملك عبد العزيز بن سعود دون علم رئيس الوزراء أو وجود ممثل للحكومة معه.
كان أحمد ماهر من آرائه دخول مصر الحرب إلي جانب الإنجليز لأن ذلك سيعطي الجيش المصري خبرة ميدانية يفتقدها، فهو جيش لم يدخل حرباً منذ عهد محمد علي 1939م ، لذلك فهو غير قادر علي حماية مصر و حماية قناة السويس، و هي الذريعة التي تتذرع بها بريطانيا لإبقاء قواتها في مصر.
عرض أحمد ماهر موضوع دخول مصر الحرب علي البرلمان، و بينما كان البرلمان يناقش الأمر، قام شاب مصري معارض لدخول مصر الحرب بإغتيال أحمد ماهر يوم 24 فبراير 1945م و هو في البهو الفرعوني في البرلمان المصري.


حصار الإنجليز لقصر عابدين 1942م

كانت الحرب تسير علي غير ما يرام بالنسبة للحلفاء، و بدأ زحف جيوش المحور نحو حدود مصر الغربية، و كان فاروق يؤيد دول المحور، إيطاليا و ألمانيا، و يعلن هذا التأييد في كل مكان ، و غضب بشدة من رئيس وزرائه عندما أقدم علي قطع العلاقات مع حكومة فيشي في فرنسا الموالية لدول المحور.
وجد الإنجليز أن فاروق يجب أن يرحل لأنه يصعد حالة العداء في مصر ضدهم ، و يمنع تعاون الوزارة مع الإنجليز في الحرب، و يعلن علي الملأ أنه يعد مصر لاستقبال دول المحور المنتصرة. كما أراد الإنجليز رئيس وزراء قوي له شعبية يسيطر علي الأمور في مصر التي بدأت تنذر بخطورة واضحة نتيجة تأييد الشارع لدول المحور، و هو ما لم يكن متوفراً إلا في مصطفي النحاس و حزب الوفد.
تعنت الملك في قبول طلب الإنجليز بتشكيل مصطفي النحاس للوزارة، لأنه رأي أنه يمكن أن يستفيد من الموقف لزيادة شعبيته فيظهر أمام الشعب بمظهر المناوئ للإنجليز و يظهر الوفد بمظهر موال للإنجليز.
و بالفعل في صباح يوم 4 فبراير 1942 م تم توجيه انذار للملك من المندوب السامي البريطاني سير مايلز لامبسون ” إما القبول بتشكيل النحاس للوزارة أو التنازل عن العرش”.
تأخر رد الملك، فحضر في مساء ذلك اليوم السفير البريطاني لامبسون Lampson بصحبة الجنرال ستون و بعض الضباط المسلحين إلي القصر، و أخذت المدرعات و المصفحات مكانها حول القصر و علي متنها 2250 جندياً بريطانياً.
دخل لامبسون و الجنرال ستون إلي غرفة الملك و كان معه أحمد حسنين، و بدأ الحديث بين الطرفين، و بيٌن لامبسون لفاروق أن رده علي رسالته الصباحية قد تأخر. حاول فاروق أن يدخل في جدال و لكن لامبسون أوقفه و سرد عليه جميع أفعاله المضادة للإنجليز، و انتهي إلي القول ” و كل هذا يبين بوضوح، عدم صلاحية جلالتكم أكثر من ذلك للبقاء علي العرش” و سلٌمه وثيقة التنازل عن العرش. و كان موقفاً صعباً، و صمت فاروق، و بدفعة من أحمد حسنين، طلب فرصة حتي يحقق الطلب الإنجليزيز و تحقق و تم تشكيل وزارة النحاس.
أتفق كثير من المؤرخين أن حادثة 4 فبراير تعد بداية نهاية شعبية الوفد في الشارع المصري، فلم يتصور المصريون أن الوفد و هو حزب التحرر الوطني يقبل أن يأتي للحكم يهذه الصورة المهينة، ليس فقط للملك و لكن لكل المصريين. فظهر زعماء الوفد لأول مرة بمظهر الطامعين في السلطة و لو علي حساب الوطن. كل هذا صب في رصيد الملك و ازدادت شعبيته بين المصريين.
استمرت وزارة النحاس رغم أنف فاروق حتي انتصر الحلفاء في معركة العالمين في 23 أكتوبر 1942م ، و بذلك أصبح لا يوجد داع لدي الإنجليز للتمسك بالنحاس و تركوه لمصيره مع الملك الذي ظل يتحين الفرصة لإقصاء غريمه.
ثم جاء الكتاب الأسود لمكرم عبيد يكشف فيه مفاسد حزب الوفد برئاسة مصطفي النحاس، فقضي علي ما تبقي من هيبة الحزب في نفوس المصريين. و مرة أخري ظهر الملك فاروق بمظهر الحريص علي إقصاء مفاسد الوزارة، و بدت القطيعة بين الملك و رئيس وزرائه لا رجعة فيها.
و لقد استعان الملك بمصطفي أمين ليستخدم الإعلام في تهيأة الرأي العام لإقالة وزارة النحاس، وبالفعل جاءت إقالة الملك لوزارة النحاس في 8 أكتوبر 1944م بعد يوم واحد من توقيع بروتوكول الجامعة العربية