‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحداث مصر الكبرى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحداث مصر الكبرى. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، ٧ يناير ٢٠١٣

فتح العرب لمصر و نهاية العصر الروماني



كان أهل مصر علي عهد لدولة البيزنطية يعيشون في ظلم مرير، فالمسيحيون المصريون الذين كانوا علي مذهب يعقوب البردعي الذي يقوم علي مبدأ وحدة طبيعة المسيح الإلاهية قد تعرضوا للاضطهاد من قبل الروم البيزنطيين الذي كانوا علي مذهب الملكاتي الذي يقوم علي مبدأ ثنائية طبيعة المسيح.
كان عمرو بن العاص قد زار مصر من قبل في تجارة له، و عندما تولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة، فاتحه عمرو في أمر فتح مصر أكثر من مرة، حتي وافقه عمر . فسار بجيش مكون من 4 آلاف رجل و عبر بهم من فلسطين إلي العريش  و مر ببئر المساعيد حتي انتهي إلي الفرما و هي ميناء صغير علي البحر يسمي عند الروم Pelusiun  و تقابل هناك مع حامية روميةـ و دار قتل شديد حتي انتصر المسلمون، ثم واصلوا السير إلي داخل مصر حتي وصلوا إلي بلبيس في دلتا مصر في مارس 640 م / ربيع أول 19 هج .
و في بلبيس تقابل جيش المسلمين مع جيش الروم بقيادة Arteon   الذي سماه العرب أرطبون،  و انتصر المسلمون بعد قتال دام شهر و استولوا علي بلبيس ثم تقدموا إلي حصن بابليون. و كان الحصن فيه حامية رومية كبيرة و يقع في منطقة تسمي مدينة مصر، و هي منطقة مزارع من قري و حدائق تتصل جنوباً بمدينة منف في الجيزه علي الضفة الغربية للنيل. كان حصن بابليون شديد المنعة، فارسل عمرو بن العاص يطلب مدداً من الخليفة عمر بن الخطاب.
أقام عمرو في الفيوم للتزود بالمؤن و انتظار المدد العسكري من الحجاز لمحاصرة و اقتحام الحصن. و وصل المدد من الخليفة عمر بن الخطاب قوامه أربعة آلاف رجل و علي رأسهم أربعة من كبار الصحابة هم الزبير بن العوام و مسلمة بن مخلد و عبادة بن الصامت و المقداد بن الأسود. فتسني لعمرو بن العاص  ترتيب صفوفه و اتجه لملاقاة جيش الروم الذي كان يقدر ب20 ألف جندي. و تقابل الجيشان في موقعة كبري هي عين شمس عام 640 م / 19 هج ، و انتصر عمرو بن العاص انتصاراً كبيراً ، و فر من بقي من جيش الروم إلي داخل حصن بابليون.
توجه عمرو بن العاص بجيشه إلي حصن بابليون و حاصره 7 أشهر متواصلة . فأرسل المقوقس  إلي عمرو بن العاص يفاوضه يعرض فيها عليه مبلغاً من المال نظير رجوع المسلمين لبلادهم ، و لكن عمرو بن العاص رفض و قال له ليس بيننا و بينكم إلا ثلاث خصال : الإسلام أو الجزية أو القتال .
فأشار المقوقس علي الحامية الرومانية التسليم و الصلح، و لكن الحامية رفضت و كذلك الإمبراطور الروماني هرقل الذي قام بعزل المقوقس عن حكم مصر، فتجدد القتال و شدد المسلمون الحصار علي الحصن ، و في أبريل 641 م استطاع الزبير بن العوام تسلق سور الحصن و معه نفر من جند المسلمين و كبروا، فظن الروم أن العرب اقتحموا الحصن فتركوا أبواب الحصن و هربوا إلي الداخل، فقام المسلمون بفتح باب الحصن، و  استسلم الروم و طلبوا الصلح فاجابهم عمرو بن العاص سنة 641 م / 20 هج.
بعد سقوط حصن بابليون فقد الروم معظم مواقعهم في مصر، و لكن مازالت عاصمتهم المزدهرة الأسكندرية في أيديهم. و لقد رأي عمرو بن العاص أن مصر لن تسلم من غارات الروم طالما بقيت الأسكندرية في حوزة الروم،  فاتجه بجيشه إلي الأسكندرية و فرض عليها حصار بري استمر لمدة أربعة أشهر، ولكن هذا الحصار لم يكن مجدي لأن المواصلات بينها و بين الإمبراطورية الرومانية عن طريق البحر ظلت مفتوحة لولا موت الإمبراطور الروماني و حدوث فتن و اضطرابات عمن يخلفه.
فقرر عمر بن العاص اقتحام المدينة و عهد إلي عبادة بن الصامت بذلك ، فنجح في اقتحام  المدينة بجنده، و جاء المقوقس إلي الأسكندرية و وقع علي معاهدة الأسكندرية مع عمرو بن العاص  سنة 642 م / 21 هج، وكانت تنص علي انتهاء حكم الدولة البيزنطية لمصر و جلاء الروم عنها و دفع الجزية للمسلمين دينارين في السنة عن كل شخص و إعفاء النساء و الأطفال و الشيوخ منها. و كان تعداد مصر في ذلك الوقت من ستة إلي ثمانية ملايين قبطي علي أرجح الأقوال. و كان عدد من تجب عليهم الجزية من مليون إلي اثنين مليون قبطي.
و بعد أن استتب الأمر لعمرو بن العاص في الأسكندرية، أرسل عقبة بن عامر إلي النوبة لفتحها و لكنه لم يستطع لشدة مقاومة أهلها الذين كانوا مهرة في النبال، و كانوا يوجهون نبلهم إلي عيون جنود الأعداء فسموا رماة الحدق.

عمرو بن العاص يتولي حكم مصر
بعد إتمام فتح مصر، ولي عمر بن الخطاب عمرو بن العاص علي مصر. و عندما استتب له الأمر في الاسكندرية عاد إلي موضع فسطاطه عند حصن بابليون و شرع في بناء عاصمة لمصر بدلاً من الأسكندرية لأن الخليفة عمر بن الخطاب أمره أن يختار عاصمة لا تكون بينها و بينه ماء.
اختار عمرو بن العاص موقعاً بالقرب من حصن بابليون غرب جبل المقطم ليبني حاضرته الجديدة  و أسماها الفسطاط و تعني الخيمة.
ثم سار عمرو بن العاص بجيشه تجاه برقة و كان يسكنها البربر الذين عانوا طويلاً من الطغيان البيزنطي،  فتفاوض عمرو مع زعماء البربر الذين رحبوا بالفتح الإسلامي العربي و وافقوا علي دفع الخراج لعمرو و كان حوالي 13 ألف درهم و كان ذلك عام 643 م / 22 هج.
بعد ذلك أكمل عمرو بن العاص مسيرته إلي الغرب لفتح طرابلس، فدخل بنفسه مدينة طرابلس دون مقاومة سنة 643 م / 22 هج. و بعد تأمينها أرسل بعثة إلي ولاية فزان ( جنوب غرب ليبيا) بقيادة عقبة بن نافع ففتحها و كان بها أحد أقوي الحصون البيزنطية.
بناء مدينة الفسطاط
قام عمرو بن العاص بالشروع في بناء عاصمة لمصر الإسلامية بمجرد عودته من الأسكندرية بعد توقيع معاهدة الأسكندرية. و اسماها الفسطاط  نسبة إلي فسطاطه ( خيمته) التي نصبه عند دخوله مصر.
استمرت الفسطاط في الاتساع و الازدهار و أصبحت مركزاً للتجارة حتي أحرقها شاور وزير الخليفة الفاطمي العاضد خوفاً من استيلاء الصليبيين عليها سنة 1168 م
كما بني عمرو بن العاص أول مسجد  في مصر و إفريقيا و هو جامع عمرو بن العاص في وسط مدينة الفسطاط  سنة 642 م / 21 هج. و عندما بني المسجد لأول مرة كان له ستة أبواب، و به ساحة غير مسقوفة، و كانت أعمدته الداخلية من جذوع النخل و سقفه من الجريد. و يقال أنه وقف علي إقامة قبلته ثمانون رجلاً من الصحابة، منهم : الزبير بن العوام، و المقداد بن الأسود، و عبادة بن الصامت، و أبو الدرداء، و أبو ذر الغفاري.
كما أعاد عمرو بن العاص حفر القناة التي كانت تصل بين النيل و البحر الأحمر و سماها قناة خليج أمير المؤمنين.
قدم إلي مصر مع عمرو بن العاص  عدد كبير من الصحابة،  فتلقي عنهم أهل مصر الدين الإسلامي الجديد، و من هؤلاء الصحابة عبد الله بن عمرو بن العاص، و الزبير بن العوام، و المقداد بن الأسود، و عبادة بن الصامت، و عبد الله بن عمر بن الخطاب، و مسلمة بن مخلد.
و كانت دروس الفقه تعطي في مسجد عمرو، و المستمعون يجلسون في حلقة حول المدرس الذي يجلس مسنداً ظهره إلي أحد الأعمدة. و أشهر من علٌم بمصر من الصحابة بعد الفتح هوعبد الله بن عمرو بن العاص، و يعد مؤسس مدرسة مصر الدينية، إذ أخذ عنه كثير من أهلها.


الفتح الفاطمي و تحول مصر لمركز الخلافة الفاطمية

أحوال مصر عند الفتح الفاطمي
كانت مصر تتبع الدولة العباسية تبعية أسمية حيث بلغت الخلافة العباسية في بغداد درجة كبيرة من الضعف بحيث لم يعد للخليفة أية سلطة عليها بعد أن أستقل حكام الولايات بولاياتهم مع بقاء اعترافهم بالسيادة الدينية للخلفاء العباسيين ممثلة في ذكر اسم الخليفة العباسي في خطبة الجمعة و نقش اسمه علي السكة ( العملة).
فاستقلت مصر أيام الدولة الطولونية ثم الإخشيدية ، كما استقل السامانيين بخراسان و بلاد ما وراء النهر، و أنشأ عبد الرحمن الثالث الخلافة الأموية في الأندلس.
و بلغت الخلافة العباسية ضعفاً كبيراً حتي في عقر دارها فأصبح الخليفة العباسي تحت سيطرة قواده من الفرس و الأتراك الذين جاء بهم ليكونوا جنوداً له بدلاً من العرب،  فتحول الأمر أن أصبحوا هم القوة الحقيقية المسيطرة، فقامت الدولة البوبهية في العراق و بعض مدن فارس، و الدولة الحمدانية في الموصل و ديار بكر، و الدولة الغزنوية في أفغانستان أولاً ثم ما لبثت أن استولت علي بعض أملاك الدولة السامانية و الدولة البويهية.
علي الرغم أن هذه الدويلات المستقلة كانت تمثل تفتيتاً للخلافة العباسية الجامعة و أدت إلي نزاعات كثيرة فيما بينها، إلا أنها في الوقت نفسه أفرزت قادة أقوياء استطاعوا أن يصدوا هجمات البيزنطينيين و أن يوسعوا حدود الأمة الإسلامية بفتح دولاً جديداً ما كانت الخلافة العباسية تستطيع أن تصلها بعد ما حل بها من ضعف و ميل إلي الترف و البذخ ، منها علي سبيل المثال بلاد الهند التي فتحتها الدولة الغزنوية و كانت سبباً في دخول الإسلام لشبه القارة الهندية ( الهند و باكستان و بنجلادش الآن).
و كثرة الدويلات الإسلامية المنفصلة عن الخلافة العباسية قد أدي أيضاً إلي ظهور مراكز حضارية بجانب بغداد هي عواصم تلك الدويلات مثل القاهرة و قرطبة و طشقند و غيرها مما وسع الزخم الحضاري للحضارة الإسلامية.

الفتح الفاطمي لمصر
حاول الفاطميون فتح مصر ثلاث مرات سابقة حتي تولي الخلافة الفاطمية في بلاد المغرب الخليفة المعز لدين الله الفاطمي  سنة 341 هج ، و بدأ في تجهيز جيش ضخم ليفتح به مصر وصل عدده إلي 100 ألف جندي ، وولي علي قيادته جوهر الصقلي .
خرجت الحملة في 14 ربيع ثاني سنة 358 هج / فبراير 969 م من مدينة القيروان بقيادة جوهر الصقلي و دخل الاسكندرية فسلمها أهلها بدون قتال. و أدرك أهل الفسطاط أنه لا قبل لهم بصد جيوش الفاطميين فأرسل الوزير جعفر بن الفرات رسولاً من العلويين إلي جوهر الصقلي يطلب منه الأمان ، ووافق جوهر وكتب عهداً بنشر العدل و بث الطمأنينة و ترك الحرية للمصريين في إقامة شعائرهم الدينية.
و في 17 شعبان دخل جوهر مصر ( الفسطاط ) وخرج الوزير جعفر بن الفرات و سائر الأشراف و العلماء في استقباله و رحبوا به ، و عسكر جوهر في الموضع الذي بنا فيه مدينة القاهرة.
و هكذا زال سلطان الخلافة العباسية و الحكم الإخشيدي في مصر بدون قتال ولا ضربة سيف واحدة و أصبحت مصر ولاية فاطمية في دولة تمتد من المحيط الأطلنطي غرباً إلي البحر الأحمر شرقاً و استمرت كذلك لمدة 200 عام.

أعمال جوهرالصقلي في مصر
حكم جوهر الصقلي مصر حوالي ثلاث سنوات من 969 م / 358 هج  إلي 972 م / 362 هج كإحدي الولايات الفاطمية نائباً عن الخليفة الفاطمي المعز الله الفاطمي .
كان جوهر الصقلي حاكماً عادلاً يجلس للمظالم بنفسه و يرد الحقوق لأصحابها و يضرب علي أيدي المفسدين و مثيري الإضطرابات. ، كما كان يمنع الجند المغاربة من الإعتداء علي الأهالي.
أسس جوهر الصقلي القاهرة ، رابع عواصم مصر الإسلامية ، لتكون مقراً لحكم الخليفة الفاطمي في مصر. و كان مساحتها الأولية 340 فداناً علي شكل مربع طول ضلعه 1200 متر تقريباً ، و كانت تمتد من منارة جامع الحاكم شمالاً إلي باب زويلة جنوباً  و يحد من المدينة شرقاً تلال المقطم و من الغرب الخليج الكبير و من الجنوب مدينة القطائع ، كما قام ببناء سور يحيط بمدينة الجديدة من الطوب اللبن له ثمانية أبواب هي : باب زويلة و باب الفرج من الجنوب و باب الفتوح و باب النصر من الشمال و باب القراطين ( باب المحروق) و باب البرقية من الشرق و باب القنطرة في الغرب.
اختط جوهر الصقلي قصراً كبيراً لإقامة الخليفة الفاطمي و كان يقع بالقرب من السور الشرقي لذلك سمي بالقصر الشرقي. و كان يمتد من الموضع الذي يوجد به المشهد الحسيني الآن إلي الجامع الأقمر تقريباً و كانت له تسعة أبواب: ففي الناحية الشرقية كانت توجد أبواب العيد و الزمرد و قصر الشوك و الناحية الغربية كانت توجد أبواب البحر و الذهب و الزهومة ، و الناحية الجنوبية كانت توجد أبواب تربة الزعفران و الديلم و في الناحية الشمالية باب واحد هو باب الريح.

نشر المذهب الشيعي
عمل الفاطميون منذ أول يوم لهم علي تحويل أهل مصر إلي المذهب الشيعي، و لكن بدون إجبار. فأمر جوهر الصقلي المؤذنين في المساجد بأن يؤذنوا بحي علي خير العمل بدلاً من حي علي الفلاح – و هو مذهب الشيعة في الآذان.
كما أنشأ الجامع الأزهر ليكون مركزاً يتلقي الناس فيه عقائد المذهب الشيعي، و الذي سعي إلي نشره بالطرق السلمية و الترغيب. فكان يقوم بتعيين معتنقي المذهب الشيعي من المصريين في مناصب الدولة المهمة.
بدأ جوهر بناءه للمسجد الجامع ، الذي سمي بعد ذلك جامع الأزهر ، في أبريل سنة 970 م / جمادي الآخر 359 هج،  و اتمه في يونية سنة 972 م / 361 هج. و كانت مساحة الأزهر عند بنائه نصف مساحته الحالية التي تبلغ الآن 12000 متراً مربعاً.
أقيمت في الجامع الأزهر أول صلاة جمعة يوم 6 رمضان سنة 361 هج، و لاحظ الناس أن الخطيب لم يدع للخليفة العباسي كما كان من قبل، و إنما دعي للخليفة الفاطمي المعز لدين الله.
كما أمر جوهر بأن يقال في الخطبة :” اللهم صل علي محمد المصطفي، و علي عليٌ المرتضي، و علي فاطمة البتول، و علي الحسن و الحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً، و صل علي الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله “.
أتبع الفاطميون وسائل مبتكرة في الترويج لمذهبهم الشيعي، فإلي جانب تعيين معتنقي المذهب في مناصب الدولة، لجأ الفاطميون إلي استحداث احتفالات دينية لم تكن موجودة من قبل، و ربطها بمظاهر فرح و طقوس يغلب عليها البهجة و الاستمتاع، و ذلك لتحبيب الناس في المذهب الجديد. من تلك الاحتفالات الاحتفال بالمولد النبوي الشريف و ليلة النصف من شعبان و عاشوراء و احتفالات شهر رمضان،  و ابتداع أكلات و أغاني مخصوصة لهذه الأعياد منها أكلات الكنافة و القطائف في شهر رمضان، و طبق العاشوراء في مولد عاشوراء، و أغنية وحوي يا وحوي التي يغنيها الأطفال و هم يخرجون بالفوانيس في ليالي رمضان.

ضم الشام و فلسطين لسلطان الفاطميين
كان طموح الفاطميين هو التوسع شرقاً علي حساب الخلافة العباسية ،فكلف جوهر الصقلي لذلك جعفر بن فلاح و هو قائد مغربي من قبيلة كتامة بضم فلسطين و الشام لسلطان الفاطميين ، و كانت فلسطين و الشام في ذلك الوقت تحت حكم بقايا الإخشيديين. و  دارت معركة فاصلة بين الجيش الفاطمي و جيش الإخشيد بقيادة الحسن بن عبد الله بن طغج، و  انتصر فيها الفاطميون و تمكنوا من بسط نفوذهم علي دمشق و فلسطين سنة 969 م / 359 هج و أصبحت الخطبة في بلاد الشام للخليفة الفاطمي.
و لكن الفاطميون لم يهنأوا طويلاً ، فقد انقلب عليهم القرامطة في الجزيرة ، علي الرغم أنهم شيعيون أيضاً ، و زحفوا علي دمشق و استولوا عليها و هزموا الفاطميين الذين ارتدوا إلي مصر فتبعهم القرامطة داخل مصر و تقابل الجيشان شرق القاهرة ، و دارت معركة قاسية استطاع فيها الفاطميون صد القرامطة و ردهم إلي الشام.
و بعد سنتين حاول القرامطة غزو مصر مرة أخري و لكن الفاطميون هزموهم شرق القاهرة ثم تبعوهم إلي الشام و شتتوا شملهم و دخل الفطميون دمشق مرة أخري سنة 974 م / 363 هج و اعادوا الشام إلي سلطة الفاطميين.

قدوم المعز إلي مصر و تحولها إلي مركز الخلافة
لما رأي جوهر أن دعائم الحكم الفاطمي قد توطدت في مصر أرسل إلي الخليفة المعز يدعوه للحضور إلي القاهرة  ليستقر بها و تكون عاصمة الخلافة الفاطمية.
ترك المعز لدين الله الفاطمي مدينة المنصورية ( بتونس الآن) و سار  إلي مصر و دخل القاهرة في 7 رمضان 362 هج / 972 م ، و أصبحت مصر منذ دخوله  عاصمة الخلافة الفاطمية و مقر الخليفة.
حمل المعز معه إلي مصر ألف و خمسمائة جمل محملة بالذهب ، و حمل معه رفات أجداده ليعاد دفنها في القاهرة. و سكن القصرين الذان شيدهما له جوهر الصقلي في مدينة القاهرة.
أعفي الخليفة المعز جوهر الصقلي من الوزارة خوفاً منه علي سلطته و ولي  يعقوب بن كلس ، و هو يهودي عراقي حضر إلي مصر و أقام فيها، و اشتهر بدهائه و تدبيره أيام كافور الإخشيدي حتي قال عنه ” لو كان هذا الرجل مسلماً لجعلته وزيراً”.
تحول يعقوب بن كلس إلي الإسلام عام 967 م قبل دخول الفاطميين مصر، و رحل إلي شمال إفريقيا حيث ألتحق بخدمة الخليفة الفاطمي المعز ، حتي جاء المعز إلي مصر و ولاه وزارة مصر بدلاً من جوهر الصقلي. و كان من أول أعمال يعقوب هو الإفراج عن جميع من سبق اعتقالهم من الأخشيديين و الكافوريين.
و في سبيل نشر المذهب الشيعي أصدر يعقوب أوامره بأن ينقش علي الجدران عبارة ( خير الناس بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ) و استعان بالشعراء و أغدق عليهم للدعوة إلي المذهب الشيعي.
كما استن الخليفة المعز سنة إقامة الولائم في قصر الخليفة و تبعه الخلفاء من بعده في هذه العادة. و بلغ عرشه الذي يجلس عليه من الفخامة حداً يفوق الوصف.  كما أمر الخليفة المعز بعمل خريطة للعالم من الحرير الأزرق توضح كل أقطار العالم.





ثورة 1919

عندما انتهت الحرب العالمية الأولي بفوز الحلفاء و ردد العالم مبادئ ويلسون الأربعة عشرة علي اعتبار أنها ستنصف الشعوب المقهورة استناداً إلي مبدأ حق تقرير المصير ، ذهب زعماء مصر يرأسهم سعد زغلول إلي المندوب السامي البريطاني ونجت للحصول منه علي موافقة علي السفر إلي باريس لعرض قضية استقلال مصر علي مؤتمر الصلح هناك.
كان من المتوقع أن يدعم مؤتمر الصلح في باريس الحماية البريطانية المفروضة علي مصر، و لكن مصر كانت تريد أن تعرف حقوقها تجاه بريطانيا كما كانت تعرف حقوقها تجاه الخلافة العثمانية.
و لكن ونجت رفض، و أدعي أن سعد زغلول و عبد العزيز فهمي و علي شعراوي لا يمثلون الشعب.
و لابد أن نذكر حقيقة تاريخية ظهرت بعد نشر المراسلات بين ونجت و الحكومة البريطانية، و هي أن ونجت كان يوافق علي عرض مصر لمطالبها في مؤتمر الصلح فيقول في مراسلاته للحكومة البريطانية “إذا لم تعالج هذه المسألة المشتعلة الآن، فمن المحتمل أننا سنواجه صعوبات كبيرة في المستقبل، و اعتقد أنه من العدل أن يعرف السلطان و الوزراء و المصريون جميعاً موقفهم”.
و لكن رد الخارجية البريطانية التي كان يرأسها بلفور جاء كالتالي ” الوقت الذي يصبح فيه ممكناً منح مصر حكماً ذاتياً لم يحن بعد”
و حتي تكون لسعد زغلول صفة الوكالة عن الشعب في المطالبة بحقوقه ، بدأت حملة توقيعات علي عرائض بتوكيل سعد و أصحابه. و أشعلت حركة توقيع التوكيلات المشاعر الوطنية و أصبح الشعب في مواجهة سلطات الاحتلال التي نشطت في قمع حركة توقيع التوكيلات.
و زاد الاضطراب بعد قبول استقالة وزارة حسين رشدي الذي استقال احتجاجاً علي عدم السماح للوفد بالسفر إلي مؤتمر الصلح وفي باريس، عدم السماح أيضاً لحسين رشدي و وزير المعارف عدلي يكن بالذهاب إلي لندن لمناقشة آمال مصر في الاستقلال مع الحكومة البريطانية.
و كان قبول استقالة وزارة حسين رشدي الوطنية من السلطان فؤاد إذاناً بالقطيعة بين السلطان فؤاد و الوفد بزعامة سعد زغلول، فقد أرسل الوفد خطاباً قاسياً للسلطان فؤاد فيه كثير من التأنيب علي قبول استقالة حسين رشدي و كان الأولي بالسلطان فؤاد أن يقف بجانب الوزارة المتمسكة بحق مصر في عرض قضيتها و آمالها في الاستقلال.
كان هذا الخطاب الموجع هو ورقة الطلاق بين السلطان فؤاد و الوفد ، فانتهز الإنجليز الفرصة و قاموا في 8 مارس 1919 باعتقال سعد زغلول  و محمد محمود و حمد الباسل و إسماعيل صدقي و ساقتهم إلي ثكنات قصر النيل و منها إلي بورسعيد ثم نفتهم إلي  جزيرة مالطة.
ما كاد نبأ اعتقال و نفي سعد يسري بين الشعب حتي اندلع لهيب الثورة يوم 9 مارس في القاهرة و المدن الكبري ثم القري، و لم يعد هناك مكان إلا ويضج بالثورة الوطنية.
و خرجت جميع طوائف الشعب في هذه الثورة، فقد كانت ثورة شعبية بحق، شارك فيها العمال و الطلبة و الفلاحين. حتي المرأة خرجت في مظاهرات فهزت المجتمع بجرأتها ووطنيتها. و أنقض الفلاحون علي خطوط السكك الحديدية و البرق فقطعوها.
استدعت الخارجية البريطانية ونجيتWingate ، و حل محله لورد اللنبي الذي استعمل الفرق البريطانية للسيطرة علي الثورة، و حدثت صدامات بين الثوار و القوات الإنجليزية، و قتل عدد غير قليل من المصريين في هذه الصدامات.
ثورة 1919م
و في النهاية تراجعت إنجلترا و قامت بالإفراج عن سعد زغلول و رفاقه، و أعلنت أنها مستعدة للتفاوض بشأن استقلال مصر، و سمحت لوفد سعد زغلول بالسفر إلي أور,با، و لكنهم وجدوا الأبوب موصدة أمامهم، فقد وافقت الدول الكبري علي الحماية البريطانية علي مصر، و لم يسمح لمصر عرض قضيتها.
و الحقيقة أن أهم ما في ثورة 1919 من ناحية استقلال مصر، هو أنها مثلت الأسوأ علي الإطلاق في كل الاحتمالات التي وضعها الاحتلال البريطاني في التعامل مع ملف استقلال مصر، و ظلت الثورة بعد ذلك تمثل الفزاعة التي يخاف منها الإنجليز و يخشون تكرارها، مما جعلهم مستعدين لتقديم مزيد من التنازلات في موضوع الاستقلال.
كما أن مطالب سعد زغلول في الاستقلال كانت تمثل أعلي درجات الاستقلال، و يقابلها في نفس الوقت عرض بريطانيا الذي كان يمثل أقل درجات الاستقلال الذي ترغب بريطانيا في إعطائه لمصر، فجاءت ثورة 1919 و تضامن كل فئات الشعب مع مطالب سعد  و انتشار روح الوطنية و التوحد خلف قائد واحد ، جاء كل ذلك ليعطي وزناً أكبر لدرجة الاستقلال التي يتبناها سعد، و أجبرت بريطانيا عن أن تعلي من سقف تنازلاتها لتصل إلي نقطة الالتقاء مع أي حكومة مصرية تقبل التفاوض معها.
و هذا ما سنراه في إلغاء الحماية البريطانية علي مصر عام 1922 م.



حرب فلسطين 1948م

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية زادت الهجرة اليهودية بصورة مكثفة لفلسطين بتشجيع من إنجلترا و الولايات المتحدة الأمريكية و رئيسها هاري ترومان نفسه، و ذلك لتغيير كثافة اليهود علي أرض فلسطين استعدادً لقرار التقسيم.
و بالفعل صدر قرار التقسيم من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947م، و يقضي بتقسيم أرض فلسطين إلي دولة عربية و دولة يهودية.
خريطة نوضح قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة 1947م
الحقيقة أن القيادة السياسية في مصر لم تكن علي وعي تام بما يجري علي الساحة الدولية، حتي أن الملك فاروق نفسه كان مندهشاً من حماسة الأمريكان و السوفيت لإقامة وطن قومي لليهود.
في نفس الوقت، كان الملك عبد الله يسعي إلي توسيع مملكته الجديدة في شرق نهر الأردن ، و من أجل هذا الهدف باع الملك عبد الله أرض فلسطين في اتفاق سري مع الإنجليز و الوكالة اليهودية يقضي بضم الضفة الغربية لنهر الأردن إلي مملكته في شرق الأردن، بدلاً من أن تقوم بها دولة فلسطينية ، و في المقابل تنسحب القوات الأردنية من الأراضي المخصصة للدولة اليهودية وفقاً لقرار التقسيم.
الملك عبد الله ملك الأردن
لم يكن الملك فاروق و لا الساسة المصريون علي علم بهذا الاتفاق، و إنما كانت تساورهم الشكوك في نوايا الملك عبد الله.

و كان الملك عبد الله يمني نفسه ألا تدخل مصر الحرب، و ذلك حتي يقود هو الفيلق العربي إلي الضفة الغربية لنهر الأردن و القدس و يضمها لمملكته في الشرق، و حتي لا تفسد مصر عليه اتفاقه السري مع الإنجليز و اليهود. و كان يعرف أنه إذا لم تدخل مصر الحرب، فإن السعودية و سوريا و العراق لن تدخلها. لذلك عمل الملك عبد الله علي الاتصال بالملك فاروق بالقنوات السياسية ليوصل له فكرة عدم جدوي دخول مصر بجيشها في الحرب، لأن النتائج محسومة لصالح اليهود و الإنجليز الذين يقفون وراءهم.

قبل حرب فلسطين بستة أشهر لم تكن القيادة السياسية في مصر قد خططت لما ستفعله عند إعلان نهاية الانتداب البريطاني في 14 مايو 1948، و كان أقصي ما قام به رئيس الوزراء النقراشي هو إقامة مركز قيادة عسكري في العريش فيه كتيبة مشاة معززة بمدافع هاون لمنع الاضطرابات التي قد تحدث في فلسطين أن تعبر إلي مصر.
كان إسماعيل صدقي و النقراشي يعارضان تدخل عسكري مصري في فلسطين علي اعتبار أن مصر عسكرياً ليست مستعدة. و كان رأي إسماعيل صدقي أن مصر ممكن أن تتعايش مع دولة يهودية علي حدودها الشرقية وفقاً لقرار التقسيم. أما الملك فاروق فكان يتنازعه آراء ساسته من ناحية و تشجيع السعودييين و العراقيين له لدخول الحرب من ناحية أخري، و كذلك رغبته في إثبات قيادة مصر للعالم العربي و قيادته هو شخصياً للأمة العربية و ما يترتب علي ذلك من مسئوليات.
النقراشي باشا
و لكن قبل انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين بأسبوعين، حدث تغير كبير في الموقف المصري، و أصبح الملك فاروق و رئيس وزرائه النقراشي من المؤيدين لدخول جيش مصر الحرب. حدث هذا التغير كنتيجة لما لمسه النقراشي من رضا الإنجليز و موافقتهم علي دخول جيش مصر الحرب. كان الإنجليز يريدون أن تكون هناك مقاومة عربية إلي حد ما حتي لا يتحول انسحاب الإنجليز من فلسطين إلي قيام اليهود بمذابح و حمامات دم لعرب فلسطين.
و بالفعل عرض النقراشي المسألة علي مجلس النواب في جلسة سرية مساء يوم 12 مايو 1948م أي قبل إعلان انتهاء الانتداب بيومين،  ووافق المجلس علي دخول الحرب.
أما علي الجانب اليهودي، فقد كانت الوكالة اليهودية تمثل القيادة السياسية اليهودية و يرأسها ديفيد بن جوريون، و القوة العسكرية متمثلة في الهاجانا و هو جيش الدفاع، بالإضافة إلي جماعات أخري متطرفة مثل جماعتي أرجون و شتيرن الإرهابيتين.
كانت أهداف اليهود واضحة، و شرعوا في تنفيذها منذ بدأ الهجرة اليهودية لفلسطين، و سابقوا الوقت في تغيير معالم الواقع لصالحهم بعد صدور قرار التقسيم من الأمم المتحدة. أما الهدف الرئيسي فتمثل في مقولة بن جوريون ” لاحظوا أن خطوط التقسيم (يقصد تقسيم الأمم المتحدة) هي البداية و ليست النهاية”.
أما استراتيجية التنفيذ لليهود علي الأرض فكانت تتلخص في ثلاث نقاط:
أولاً: تأمين احتلال و السيطرة علي الأراضي المخصصة للدولة اليهودية وفقاً لقرار التقسيم سواء بالتعاون مع الإنجليز أو بالعمل المسلح ضدهم، و هو ما حدث في احتلال يافا و حيفا مباشرةً بعد انسحاب القوات البريطانية منها.
ثانياً: السيطرة علي كل التلال و المواقع المرتفعة الكاشفة لما حولها، و كل مفارق الطرق المهمة، و كذلك المناطق القريبة من حدود الدول العربية المجاورة، دون النظر إلي كون هذه المناطق تخضع للجزء اليهودي أو العربي، و ذلك لتطويق ميدان الصراع و التحكم فيه.
ثالثاً: العمل بكل الوسائل علي دفع أكبر عدد ممكن من السكان العرب إلي الهرب من أراضيهم و بيوتهم و مزارعهم. فكانت مذبحة دير ياسين الذي كان هدفها الأساسي زرع الرعب في قلوب العرب ليهربوا بأنفسهم و أولادهم من المذابح التي تنتظرهم. و لقد ورد في مذكرات اسحاق رابين الذي كان في ذلك الوقت ماجور في الهاجاناه أنه قام وحده بطرد ما بين خمسين و ستين ألفاً من العرب من بيوتهم و قراهم في المنطقة الواقعة بين اللد و الرملة.
اقترب موعد انتهاء الانتداب البريطاني علي فلسطين، و اتفقت الدول العربية علي أن يتولي الملك عبد الله مركز القائد الأعلي للجيوش العربية في فلسطين، و تولي المصري  اللواء محمد أحمد المواوي القيادة العامة للقوات العربية، بالإضافة إلي قوة خفيفة من المتطوعين يقودها البكباشي أحمد عبد العزيز تعمل علي المحور الشرقي من خط العوجة إلي بير سبع إلي الخليل و بيت لحم.
كانت الجيوش العربية تتكون من الفيلق العربي الأردني و الجيش المصري و فرق من العراق و سوريا و متطوعين ليبيين و مصريين.
و في مساء يوم 13 مايو  1948م  عبرت أول كتيبة للجيش المصري كوبري الفردان عند قناة السويس متجهة إلي فلسطين.
و لقد كان دخول الجيش المصري إلي فلسطين علي ثلاث محاور رئيسية : محور الطريق الساحلي من خان يونس إلي مستعمرة نتسانيم شمال غزة ، و محور العوجة إلي بيت لحم ثم الخليل و تعمل عليه قوات المتطوعين بقيادة أحمد عبد العزيز، و محور شمال النقب الممتد عرضاً من الخليل إلي الفالوجاً و عراق المنشية و المجدل علي ساحل البحر المتوسط.
و لم تكن هذه المحاور متصلة ببعضها، لذلك كانت الطرق الفاصلة بينها الأكثر خطراً، لأن استيلاء العدو علي هذه الفواصل يعني فصل محاور الجيش المصري عن بعضه ، و تحويل كل محور إلي جيب شبه محاصر. و هو ما حدث بالفعل بعد ذلك في حصار قوات الجيش في الفالوجا.
بدأت العمليات يوم 14 مايو 1948م ، و بدأ هجوم الجبش المصري علي المستعمرات اليهودية في منطقة غزة، و قامت بطائراته بالإغارة علي تل أبيب فضربت محطات توليد الطاقة و المطار العسكري. و في يوم 15 مايو، وصلت طلائع القوات المصرية مدينة غزة.
و في 20 مايو اقتحمت القوات المصرية مستعمرة دير سنيد الاستراتيجية لليهود علي الطريق من غزة إلي تل أبيب بعد قتال استمر عشر ساعات، فقد كانت المستعمرة محصنة تحصيناً شديداً “علي أحدث فنون الهندسة العسكرية” كما جاء في إشارة قائد القوات المصرية إلي عثمان باشا المهدي رئيس أركان حرب. و استمرت المعارك داخل المستعمرة حتي حسمها الجيش المصري لصالحه و رفع العلم المصري علي المستعمرة يوم 24 مايو.
كان أداء الجيش المصري في بداية الحرب جيداًً، و عند بدء سريان الهدنة الأولي في 11 يونيو 1948 ، كان الجيش المصري قد استولي علي خان يونس و دير البلح و غزة و بييت حانون و بير سبع و دير سانيد و الخليل و بيت لحم و المجدل و أسدود و الفالوجا و عراق المنشية و بيت جبرين و نيتسانيم و عجور و عرطوف. و الحقيقة أن كل هذه المدن كانت تتبع الأراضي المخصصة الدولة الفلسطينية وفقاً لقرار التقسيم. لذلك لم يبد اليهود مقاومة عنيفة إلا في دير سانيد.
أما علي الجانب الأردني ( الفيلق العربي)، فقد استولي الفيلق علي القدس القديمة يوم 21 مايو، كما حاصر الحي اليهودي (القدس الغربية) و سقط منها الجامعة العبرية و مستشفي هداسا.
و الحقيقة التي تكشفت بعد ذلك هو أنه كان هناك اتفاق مسبق بين قيادة الجيش الأردني بقيادة جلوب باشا الإنجليزي و جيش هاجاناه اليهودي علي ما هو مخصص لكل منهم وفقاً لخطة التقسيم، فلا يعتدي أي منهم علي مواقع الآخر.
و بعد سريان الهدنة الأولي في 11 يونيو 1948، تدفقت الإمدادات علي اليهود من الخارج، و بدأوا في تعزيز مواقعهم، و لم يتوقفوا عن خرق الهدنة بالهجوم علي مواقع الجيوش العربية و الاستيلاء علي الأراضي و طرد الأهالي من قراهم.
و فوق ذلك كله، بدأت الجبهة العربية في التصدع نتيجة انسحاب القوات الأردنية من المواقع التي تحتلها لتفسح المجال للقوات اليهودية لتحقيق المزيد من المكاسب علي الأرض.
يقول حسنين هيكل في كتابه ” العروش و الجيوش 1″ أن ديفيد بن جوريون أصدر تعليمات إلي رئاسة أركان جيش الهاجاناه بضرورة احتلال مثلث جنين طولكرم لاترون، و لتحقيق ذلك فإن عليها أن تبدأ بإزاحة القوات الأردنية و العراقية من اللد و الرملة ( و كلها مناطق مخصصة للعرب بمقتضي قرار التقسيم).
و كان ذلك يواجه الجنرال “جلوب”- قائد الفيلق العربي الأردني- بمعضلة لأن هذه المناطق واقعة ضمن ما هو مخصص للعرب بمقتضي قرار التقسيم. و لكنه في نفس الوقت لديه أوامر واضحة من الإنجليز بعدم مهاجمة قوات اليهود. فأرسل جلوب إلي الملك عبد الله ليعاونه في هذه المسألة.
فقرر الملك عبد الله أن يفسح لليهود لتحقيق أغراضهم.  و لكي يفعل ذلك دون أن يثير الشكوك، أرسل إلي قادة الدول العربية يطلب منهم المدد العسكري بدعوي أن القوات الأردنية المدافعة عن اللد و الرملة ليس لديها ذخيرة كافية للدفاع عن المنطقة ، و هي تتعرض لضغوط القوات اليهودية. و كان الملك عبد الله يعلم أن القوات العراقية و المصرية ليس لديها ما يكفيها هي أصلاً،  و بالتالي لن تستطيع أن ترسل ذخيرة إضافية للقوات الأردنية.
و بالفعل انسحبت القوات الأردنية من اللد و الرملة، و بدأت القوات اليهودية دخول المناطق المخصصة للعرب وفقاً لقرار التقسيم بدون قتال، و هو ما تكرر بعد ذلك في الجليل الأعلي و في النقب حتي شاطئ خليج العقبة.
و ليس أدل علي هذا التصدع الذي حدث في الجبهة العربية من الإشارة التي وردت في يوميات الحرب لحسنين هيكل ، و جاءت كالتالي:
18 يوليه 1948
الساعة 2400
من: إدارة المخابرات الحربية
إلي: الجيش بالنيابة
إدارة المخابرات الحربية      سري جداً
رسالة شفرية 2300 يوم 18/7/ 1948
وصلتنا المعلومات التالية من مندوبنا بعمان و أصبح شعور الأهالي تجاه الجيش الأردني غير مرض، تكررت حوادث إطلاق النار علي الإنجليز الضباط. بدأ الانقسام يدب بين الضباط و الجنود الأردنيين تجاه القادة الإنجليز. تكررت حوادث تعدي جنود العراق علي الأردني لعدم قيام الأردني بواجبه تماما.
و الحقيقة أن هذه الإشارة تشير إلي تقاعص الجيش الأردني في الحرب، كما تشير أيضاً إلي عدم رضاء الجنود و الضباط الأردنيين عن الأوامر التي تصدر لهم من قيادتهم العليا التي تأتمر بأمر الإنجليز.
ثم تجددت الهدنة في 18 يوليو 1948، لكن اتفاقيات الهدنة كانت بالنسبة للإسرائيليين حبر علي ورق، أما الجيوش العربية فقد ظلت حائرة لا تدري كيف ترد علي خروقات الجانب اليهودي، فاكتفت برصد الخروقات و ارسالها إلي مراقب الهدنة من الأمم المتحدة. و نورد مثال علي ذلك ما اورده حسنين هيكل من يوميات الحرب في كتابه ( العروش و الجيوش 1)  في يوم 20 يوليه 1948:
الساعة 1615
من: هيئة المستشارين
إلي: العمليات الحربية – الجامعة العربية
201600- 201/20
ع ح 1 من القيادة العراقية. يهاجم العدو القري المنعزلة جنوب حيفا. جبح و اكزم و عين غزال. فرصة الهدنة تساعده علي القضاء علي مقاومتها. سكانها 30 ألف عدا اللاجئين. نرجو إخطار الجامعة و لجنة الهدنة و الصليب الأحمر لمنع الاعتداء…أفد.
و مع تصاعد الخروقات اليهودية، بدأ اليهود في شن غارات جوية علي مدن القاهرة و عمان و دمشق، و ذلك للتأثير سلباً علي معنويات الشعوب العربية، و القيادات السياسية، حتي أن الطائرات الإسرائيلية حلقت فوق قصري عابدين و القبة يوم 18 أكتوبر.
و بسبب الخسائر التي منيت بها القوات المصرية، جري تغيير القائد العام للقوات ليصبح اللواء أحمد فؤاد صادق بدلاً من اللواء المواوي. و بعد استشهاد أحمد عبد العزيز، تولي قيادة المتطوعين القائمقام عبد الجواد طباله.
و عندما بدأت القوات الأردنية في تنفيذ مخططها بضم الضفة الغربية للأردن، بدأت المشاحنات بين القوات الأردنية و الأهالي الفلسطينيين. و منها ما ورد في يوميات الحرب في ( العروش و الجيوش 1) لهيكل، في يوم 31 أغسطس 1948
الساعة 2045
من: رئاسة القوات
إلي: راح
الآتي بعد تبلغ لنا من بيت لحم
” مرت بنا ست لوريات محملة بالجنود و ثماني مصفحات تابعين للجيش الأردني متجهين للخليل. و الأهالي ثائرين ضد الأردنيين”.
و الحقيقة أن القوات المصرية كانت من الفروسية أو السذاجة أن وثقت في القوات الأردنية علي الرغم كل الإشارات التي تنبئ بعدم جدية الموقف الأردني في الحرب.
و إذا أردنا استجلاء الحقيقة عن أسباب هزيمة مصر في حرب 1948م، يتضح لنا أنه كان هناك أسباب سياسية مهدت لهذه الهزيمة و أسباب أخري عسكرية علي أرض المعارك.
أما الأسباب السياسية فهي:
أولاً: مساندة إنجلترا و الولايات المتحدة و فرنسا لليهود في الحصول علي دولة خاصة بهم علي أرض فلسطين. هذه المساندة تمثلت في تشجيع هجرة اليهود بأعداد ضخمة لفلسطين، و إمدادهم بالأسلحة و الذخيرة ، و منعها عن الجانب المصري، و تدريب اليهود علي الفنون العسكرية.
و علي الرغم أن إنجلترا وافقت علي دخول الدول العربية الحرب بجيوشها، إلا أنها كانت تعلم تمام العلم أن القوات العربية بتسليحها و قدرتها لن تستطيع أن تحقق نصراً علي قوات اليهود التي تفوقها عدداً و تسليحاً و قدرات عسكرية. كما انها مارست ضغطاً كبيراً علي حكومات الدول العربية لكي تضمن قيام دولة يهودية في الأرضي التي خصصت لها بموجب قرار التقسيم.
ثانياً: غياب استراتيجية واضحة لدي القيادة السياسية في مصر التي لم يكن لديها الدراسات السياسية و العسكرية و التاريخية عن فلسطين و خطورة المخطط الصهيوني، و طبيعة و اسباب و ابعاد المساندة الغربية لقيام هذه الكيان فوق أرض عربية. كما لم يكن لديها مخابرات بالمعني الاحترافي، بحيث تكون قادرة علي معرفة ابعاد المخطط الإنجليزي  اليهودي، و تواطؤ الملك عبد الله في هذا المخطط.
ثالثاً: دخول الملك عبد الله في اتفاق سري مع  الإنجليز و الوكالة اليهودية ، و هو ما أحدث تصدع في الجبهة العربية، لأن الأردن كانت هي الدولة المعنية الأولي بموضوع فلسطين، و لكنها في نفس الوقت هي الدولة التي قرر ملكها ألا يدافع عن فلسطين و ألا يسمح حتي بقيام دولة فلسطينية لها حدود مع دولته، و إنما قرر أن يلتهم الأرض الفلسطينة لتكون ضمن حدود مملكته. كما أن قيادات الجيش الإردني ( الفيلق العربي) كانت كلها من الضباط الإنجليز. مما يعني أن الفيلق العربي كان يأتمر بأمر الإنجليز و ليس بأمر لقيادة العربية.
أما علي أرض المعارك، فكانت أسباب الهزيمة كالتالي:
  1. فارق الخبرة العسكرية و العدد و العدة بين الجيش المصري و جيش الهاجاناه اليهودي، فلم تكن لدي قيادة الجيش المصري سابق خبرة في قيادة أي معارك حربية، لأن الخطط الحربية ليست معلومات مكتوبة في الكتب و إنما تجارب و ممارسات  علي أرض الواقع. فآخر الحروب التي خاضها الجيش المصري كانت بقيادة إبراهيم باشا في الشام سنة 1839م. و منذ ذلك الحين لم يشارك الجيش المصري في أي معارك حربية. أما جيش الهاجاناه اليهودي فقد شارك جنوده و ضباطه في الفيلق اليهودي في الحرب العالمية الأولي ثم في الحرب العلمية الثانية، و أعطيت له مهام عسكرية في الحرب العالمية الثانية مثل طرد حكومة فيشي من سوريا. فأكتسب اليهود خبرات كبيرة في هذه الحروب متعددة الجبهات. و من حيث العدد و العدة نقل حسنين هيكل في كتابه ( العروش و الجيوش 1) عن اللواء حسن البدري، المؤرخ العسكري للجيش المصري، أن القوات الإسرائيلية كانت تفوق القوات المصرية في العدد بنسبة 1:2. و بلغت نسبة تفوق القوات الإسرائيلية علي المصرية في المعدات و الذخائر من حيث الكم و الكيف نسبة 1:3،5
  1. قيام القوات الأردنية بالانسحاب من مواقعها بأوامر من قيادتها السياسية المتواطئة مع الإنجليز و اليهود ضد العرب. فأدت بانسحابها خسارة أراضي واسعة كانت مخصصة للدولة العربية وفقاً لتقسيم فلسطين، و هي الجليل الأعلي و صحراب النقب. كما أن الانسحابات الأردنية أدت إلي كشف المواقع المصرية و محاصرتها من قبل قوات العدو كما حدث في الفالوجا.
  1. كان الإنجليز يتحكمون في توريد الأسلحة للجيش المصري، و عندما بلغ تقدم الجيش المصري في فلسطين مبلغاً مقلقاً بالنسبة لهم، رفضوا طلبات مصر بتوريد الأسلحة و الذخيرة، و بدأ الجيش في الجبهة يعاني من نقص شديد في الأسلحة و الذخيرة.
  1. فرق المقاومة الفلسطينية المساندة للجيش المصري كانت أضعف من التصدي للهاجانا، و كانت تتمثل في قوات الجهاد المقدس بقيادة عبد القادر الحسيني و قوات الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، فانكسرت بسرعة أمام اليهود لأنها كانت أقل تنظيماً و خبرة و تسليحاً، و الحقيقة أن هذه الفرق كانت تقاتل بشجاعة الرجال و فقط، و لم يتوفر لها أي اساليب
    عبد القادر الحسيني
    أخري.
  1. استخدام الجيش المصري لأسلحة فاسدة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، فقيادة الجيش المصري اعتمدت علي سماسرة السلاح لشراء أسلحة  الجيش، و أصر الملك علي شراء الأسلحة من إيطاليا التي كانت تربطه بها علاقات قوية، و كانت النتيجة أن الأسلحة جاءت من مخلفات الحرب العالمية الثانية في مخازن الجيش الإيطالي، فكان بعضها فاسد و أدي إلي إصابات في صفوف الجيش المصري.
و من المهم أن نورد رأي الحاج أمين الحسيني في الاداء العربي في الحرب، و الذي ارسله لحسنين هيكل، و ذكره الأخير في كتابه ( العروش و الجيوش 1) : ” أن بعض المسئولين في الدول العربية الذين كانت في أيديهم مقاليد الأمور، لم يكونوا جادين و لا مصممين في مواجهة هذه المشكلة و لم يعالجوها بما تتطلبه خطورتها من الحزم و الاهتمام، بل كانوا هازلين، خائرين، مترددين، بينما كان اليهود جادين كل الجد”
و نقطة أخري مهمة أوردها الحاج أمين في شهادته هي ” أنه بينما كان اليهود يعملون بقوة و تصميم بوحي من مصالحهم العامة و تنفيذاً لبرنامجهم الصهيوني الخطير، كان بعض المسئولين في بعض الدول العربية يعملون إما بوحي الاستعمار الأجنبي أو بتأثير مصالحهم الخاصة . و قد نتج عن تضارب الأهواء و المصالح، و تباين الغايات و الأهداف و التخاذل بين دول الجامعة، وقوع هذه الكارثة الأليمة. ”
و مما لا شك فيه أن ملف هزيمة حرب فلسطين ما زال مفتوحاً، و سيظل كذلك لمدة غير قصيرة، حتي نستلهم منه الدروس الكافية و الكفيلة بعدم تكراره.